فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 269

أولًا: إنَّ إعلانَ الشيخِ أبي النُّورِ للإمارةِ الإسلاميةِ خطوةٌ مستغربةٌ مِن مثلِه، لم يتوقَّعْها مَن عرَفه، وقد اجتهدتُ في معرفةِ سببِ هذه الخطوةِ، بمطالعةِ ما سبقَ هذه الأحداث، وبسؤالِ مَن يعرفون الشيخَ عَن قُربٍ، فلمٍِ أهتدِ إلى وجهِ اجتهادِ الشيخِ بإعلانِه الإمارةَ الإسلاميةَ على وجهٍ يُجزَمُ معَه بمقصودِ الشيخِ، إلا أنَّه لا يَبعدُ أنَّ الشيخَ قد أرادَ بهذا ما أومأ إليهِ في خطبتِه: أن يحثَّ حماسَ على سلوكِ سبيلِ الشريعةِ، أو يستبينَ للناسِ - ومِنهم أبناءُ حماس أنفسُهم- سبيلُها الموصلُ إلى العلمانيةِ الصريحةِ، وهي تسيرُ فيه بخطوٍ حثيثٍ.

والرَّأيُ أنَّ ما فعلَه الشيخُ ليس بكافٍ لتحقيقِ ما نظنُّه مرادَه، وأنَّ على مَن بَقُوا بعدَه مِن أهلِ الدعوةِ أن يُتمُّوا ما بدأَه، بأفعالٍ مدروسةٍ شرعًا وسياسةً.

ونحن إن كنَّا غيرَ موافقين للشيخِ -رحمه الله- في اجتهادِه، فإننا في ذلك نراعي المصالحَ المعتبرةَ شرعًا، مِن حقنٍ لدماءِ المسلمين، وحِفظًا للدعوةِ الناشئةِ، ومنعًا لحماسَ من أن تجدَ ما تبرِّرُ به إجرامَها الذي قد عزمَت عليه؛ فما تبرِّرُ به حماس قد يقلِّلُ مِن سخط الناس عليها -وهيهات أن يُذهبَ السخط كلَّه-، وقد يجعلُ للشيخِ -في نظر الناسِ- كِفلًا من التسبُّبِ فيما حصل. فأقول: إنما بنينا موقفنا على هذا، لا على كونِ حماس لها سلطانٌ شرعيٌّ لا يجوز إحداثُ غيرِه، فأنَّى لسلطانٍ لا يقومُ على تحكيمِ الشريعةِ أن يكون له وزنٌ في الشريعةِ، والسمعُ والطاعةُ للمتغلِّبِ إنما يكون إن اتخذ الشريعةَ دستورًا يرجعُ إليه في الأصلِ، ولو شابَ هذا الرجوعَ ظلمٌ وتقصيرٌ هو مِن جنسِ المعاصي، أو تدرَّج صاحبُه -حسب استطاعتِه- في تطبيقِ بعضِ الحدودِ أو منعِ بعضِ المخالفاتِ ونحو ذلك، وأما التحاكمُ إلى الدستورِ الوضعيِّ وإلزامُ الناسِ بقوانينِه وتركُ الشريعةِ، فلا ولايةَ شرعية لصاحبِه وإن كانَ في ذلك متأولًا، فتأولُه عذرٌ قد يمنعُ عنه الكفرَ والمؤاخذةَ، ولكنَّه لا يصحِّحُ ولايتَه شرعًا، لعدمِ المقصودِ منها، وهو القيام بالتوحيدِ وإقامةُ الشرع. وكما تسقطُ طاعتُه - في الأمرِ- إذا أمر بما يخالف الشرعَ، فإن ولايتَه تسقطُ لو كان مرجعُه غيرَ الشرعِ، وهذا هو مدلول الإيماءِ في قولِه تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ، وهم العلماءُ لأنَّهم أهلُ فهمِ الشرعِ، والأمراءُ لأنَّهم أهلُ تطبيقِه، وهو مفهوم الشرط في الحديث:"اسمعوا وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله"وفي الحديث: "ما أقاموا فيكم الدين". وهذا هو ما دعا الشيخُ أبو النور رحمه الله حماس إليه، إلى تحكيمِ الشريعةِ ليسمع لها ويطيع، وقال إنه وإخوانَه سيكونون خُدَّامًا لها حينذاك؛ فأبَت إلا قِتالَه لتئدَ دعوتَه السلفيةَ المتناميةَ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت