والصَّلفُ في الرأيِ، فذهب بها الحماسُ إلى تركِ مراعاةِ ما يُعظِّمُ المسلمون حُرمتَه، أعني دمَ المسلمِ وبيتَ الله، وإلى تركِ مراعاةِ ما يعظِّمونَه هم، أعني ما يسمَّى الرأيَ العامَّ، وإذا كانوا قد تركوا الأوَّلَ لمَّا قتلوا صائب دغمش وإخوانَه -رحمهم الله- في جريمةِ الصبرةِ، فإنَّهم قد راعَوا فيها الثاني بتوطئتِهم لها برميِ المجاهدين بأنَّهم منفلتين، وخوارج، وقوادين، ونحو ذلك، ساعدَهم على ذلك أنَّ الإخوةَ مغمورين لا يعرفهم أحدٌ، وساعدَهم عليه أشياء عشائرية وعائلية أحاطَت بالإخوةِ، فصدَّقها كثيرٌ مِن الناسِ .. ولكنها اليوم لم تراعِ أيَّ الأمرين، فهيهات هيهات أن يُصدِّقها اليومَ أحدٌ! حاشا المتعصبين لها، والجاهلين بأحوالِها وحالِ الشيخ الشهيد -نحسبه والله حسيبه- أبي النور المقدسي، أما الناسُ في غزة فيعرفونَه حقَّ المعرفة، يعرفونَه رجلًا خلوقًا خيِّرًا طالبًا للعِلمِ وناشرًا له في خطبِه ودروسِه، ويعرفونَه بأعمالِ الخيرِ والبِرِّ، ولم يعهدوا مِنه غلوًّا في تكفيرٍ؛ ولم يسمعوا منه تكفيرَ المنتسبين إلى حماسَ فضلا عن سائر الشعبِ كما كَذَبَتْ حماسُ، بل هو كما نعرف عنه ينهى عن هذه المسالكِ، وقد سمعناه في خطبتِه يقول عن أبناءِ حماس: هم إخوانُنا بغوا علينا، وجماعةُ جند أنصار الله مثله كما صرَّحوا.
وهم كذلك براءٌ مِن تفجيرِ محالِّ المعاصي كما بيَّنوا، وهم والشيخُ أعداءٌ للعلمانيين في فتح وغيرِها، فماذا بقيَ من تهم حماس؟ بقي تقاضي الشيخ لراتبٍ من فتح لعملِه طبيبًا! فسبحان من جرَّأ القومَ على اتِّهامِ الرجلِ بما هم واقعين فيه جِهارًا! فما الذي يجعلُ راتبَ أبي النور حرامًا وعمالةً وهو يصرِّح بمعاداة العلمانية، ويجعلُ راتبَ أبي العبد هنية حلالا وهو يسمي العلمانيين إخوةً له وينادي بالتوحُّدِ معهم؟ ومتى انقطع راتبُ هنيةَ إلا بعدَ انقلابِه على (الأخ الرئيس) -عنده- الكافرِ المرتدِّ -عندنا- محمود عباس؟ ليس الأمرُ إلا إفلاس حماس وتكلُّفها ما تطعن به في الشيخ أبي النور رحمه الله.
إنَّ لأبي النورِ سيرةً مِن نورٍ كنورِ الشمسِ في ضيائه وصفائه، ومثلَه في أنها لا تُحجبُ بغربالٍ مِن الأكاذيب، فحسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأله تعالى أن يتقبل عبدَه أبا النور وإخوانَه شهداءً، وأن يحقنَ دماءَ المسلمين، وأن ينيرَ بصائرَ عِبادِه الصالحين إلى حقائقِ الشرعِ وفسادِ مسالكِ أهلِ الضلالةِ.
وبعدُ فإنَّ هذه مسائلُ مهمِّاتٍ لا بُدَّ مِن الوقوفِ عندَها مع هذا الخطبِ الجلَلِ، أبدأُ بها مستعينًا بالله.