ردِّها، وافتراءاتُهم المتناقضةُ تأكلُ بعضَها.
وحسبي أن أقول في هذا المقام: إن قتلَ حماس لأبي النور المقدسي لمبشِّرٌ بانبلاجِ النور، وإن هدَّها لبيتِه وبيتِ ربِّه لمبشِّرٌ بانتشارِ الهُدى، وكأنَّ هنيَّةَ المجرمَ قد قال قبلَ قصفِ المسجدِ: باسمِ اللهِ؛ ربِّ هذا الشيخِ (أبي النور) !
وأقول: حُقَّ لأبناءِ الدَّعوةِ السلفيةِ أن يتلوا في هذا المقامِ قولَه تعالى: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) ، وإذا كان الفتحُ الذين نزلت فيه السورةُ صلحًا مع المشركين كرِهَهُ بعضُ الصحابةِ أولَ الأمر، فإنَّني أسمِّي مقتلَ أبي النور وإخوانَه -ظُلمًا وإجرامًا- أسمِّيه فتحًا، وإن كرهتْه نفسي وكرهه إخواني؛ (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) ، أقول هذا ثقةً باللهِ، وبعدَ تأمُّلِ سننِ اللهِ الشرعيةِ والكونيةِ، وليس إلا أن يُريَ أبناءُ الدعوةِ ربَّهم مِن أنفسِهم أهليةً لهذا الفتح؛ بالتزامِهم بالشرعِ، وتوكُّلِهم على اللهِ، واجتهادِهم في العملِ بأسبابِ التمكينِ؛ فيريهم الله الفتحَ المبينَ لهذهِ الدعوةِ المباركةِ.
إنَّ حماسَ بقتلِها لأبي النورِ قد خطَت آخرَ خطواتِها إلى القضاءِ على حركةٍ إسلاميةٍ مجاهدةٍ، لا أعني جماعة جند أنصار الله، بل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، التي نشأت، وجاهدت، وظُلِمَت، فصابرَت، ثم تمكَّنت، فتنكَّرَت، فطغتْ وتجبَّرتْ، ثم هي تبيدُ قريبًا إن شاء الله. وهي في حياتِها قد مرَّت بأشياءَ متغايرة، وأحوال متنافرة؛ فقد قامَت مقام الجهاد، ثم قامت مقام التشريع، وقد قادها ياسين، وقادها مشعل، وقد ساد فيها الرنتيسي، وساد فيها هنية، وقد قاتلت أعداءَ الله، وقتَّلَت أولياءه، وقد آذاها الطواغيت قتلًا وأسرًا وافتراءً، فقامَت هي فينا مقام الطواغيت قتلا وأسرًا وافتراءً.
لا أقول إنَّ غلَبتَها تبيدُ غدًا أو بعد شهر، ولا أقول إنَّ ما فعلتْه مِن الجرائمِ قبلُ لم يكن خطواتٍ إلى الزوال والاستبدال، ولكنَّ ما فعلَتْه هذه المرة كان مختلفًا بالكليةِ كما ذكرتُ، وبه فقدَت دعائمَ كانَت تسندها، وسُتُرًا كانَت تحجبُ عن الناسِ سوءَتها، وسبحانَ مَن له في كلِّ شيءٍ حِكمة، وإذا أراد اللهُ إهلاكَ قريةٍ أمرَ مترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القولُ.
فحماسُ قد ذهبَ بها الحماسُ إذ فارقته الحكمةُ، وقارنه رقةُ الديانةِ، والتعصُّبُ للحزبِ، والغرورُ بالقوةِ،