قالَ مُقيدُهُ كانَ اللهُ له: إنّما أردْتُ بالتفصيلِ في هذه النازِلَةِ أَمْرَينِ أَرَى لكُلّ مِنهما ارْتباطًا وثيقًا بالآخر:
الأولِ: مُحارَبَةِ ظاهِرَةِ الغلُوّ في إطلاقِ الأحكامِ بالتكفِيرِ، خاصّةً معَ انتشارِ القلَمِ وقلّةِ العلْمِ!، واتخاذِ ذلك ذريعَةً للتحريشِ بينَ المُؤمِنينَ، ولا شكّ أن انتشارَ هذا المذْهَبِ الردِيّ كَفيلٌ بِتَقْويضِ ونَقْضِ كُلّ عَمَلٍ يُرْجَىَ نَفْعُهُ للمسلمينَ، كما يشهدُ بذلكَ البرْهانانِ العِلميُّ والعمَلِيّ.
والثاني: التنبيهُ إلى أنّ المسلمينَ اليومَ أَحْوجُ إلَى مَعْرِفَةِ أحْكامِ الرُّخَصِ المَشْرُوعَةِ المُسْتَمَدَّةِ من قاعِدَةِ رَفْعِ الحَرَجِ فِي الشرِيعَةِ المُطَهَّرِهِ؛ والاجْتِهادِ فِيما يُناسِبُ الضُّروراتِ المُعاصِرَةَ مِنها؛ مِنهمْ إلَى مَعْرِفَةِ الأحْكامِ العامَّةِ التِي لا تَغِيبُ فِي العادَةِ عَن المُبْتَدِئِينَ مِن الطلاَّبِ، وفِي ذلكَ تَوْسِعَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى العُلَماءِ العامِلِينَ؛ وَالمُجاهِدِينَ الصابِرِينَ الساعِينَ فِي إقامَةِ دِينِ اللهِ وشَرْعِهِ والتَّمْكِينِ لَهُ فِي الأرْضِ، ولأَنَّ الجَهْلَ بِمواطِنِ الرُّخَصِ من الشرْعِ فِي مِثْلِ هَذهِ الأَحْوالِ التِي عَمَّتْ فِيها الضرُوراتُ والحاجاتُ؛ والإسلامُ يُصْطلمُ في كل مكان!، يُفْضِي إلَى أنْ يَتَكَلَّفَ المَرْءُ أحْمالًا يَنْقِطِعُ دُونَها عَن مُواصِلَةِ الطريقِ، وإنْ تَحَمَّلَها أفْرادٌ من الناسِ مَعْدُودُونَ لِجَهْلِهِمْ بِمَواطِنِ التَيْسِيرِ فِي الشرْعِ؛ لَمْ تَصْلُحْ نَهْجًا تُلْزَمُ بِهِ الجَماعَةُ القائِمَةُ بأمْرِ الدِّينِ وفِيهِمُ الكَبيرُ والضعِيفُ وذُو الحاجَةِ!، وقَدْ رَفَعَ اللهُ تعالَى عن أمَّةِ المُسْلِمينَ الآصارَ والأغْلالَ؛ ولمْ يُكَلِّفْ عِبادَهُ فَوْقَ ما يَطِيقُونَ، ولا تَكِلِيفَ إلا بِما شَرَعَ سُبْحانَه.
عَلَى أَنَّنا نُنَبِّهِ إِلَى أنَّ المَطْلُوبَ هُوَ الوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ الشرْعِ فِي ذلك، فالاجْتِهادَ فِي نَوازِلِ السِّياسَةِ الشرْعِيَّةِ بِمَا يُلائِمُ حالَ العَصْرِ الذِي أَشَرْنا إلَيْهِ؛ وبِما يَفِي بِمَطالِبِهِ؛ مِن فُرُوضِ الأَعْيانِ عَلَى عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، خاصّةً في زماننا هذا الذِي أصْبَحَتْ فِيهِ كَثِيرٌ من العُلُومِ لَها مِساسٌ مُباشِرٌ بِبِناءِ الأُمَمِ والدُّولِ وسِياسِتِها، معَ تقارُبِ الزمانِ والمكانِ والتقاءِ المصالحِ وافتِراقِها، وَمَعَ كَثْرَةِ ما يَطْرَأُ عَلى السِّياساتِ مِن التَّغِييرِ والتَّبْدِيلِ، حَتَّى قالَ العَلامَةُ المُحَدِّثُ الحَنَفِيُّ الفَقِيهُ الشيخُ عُبَيْدُ اللهِ السِّنْدِيُّ المُتَوفّى فِي الهِنْدِ مِنْ نَحْوِ سَبْعِينَ عامًا: رَأَيْتُ رَأْيَ العَيْنَ أنَّ الجَماعَةَ المُسْلِمَةَ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيها طائِفَةٌ من العُلَماءِ تَقْدِرُ عَلى الاجْتِهَادِ فِي نَوازِلِ السِّياسَةِ لَمْ تَزَلْ فِي تَأَخُّرٍ ولَم تَسْتَطِعِ النُّهُوضَ بالأُمَّةِ لأنَّ السياساتِ تَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، أَو كَلامًا هَذا مَعْناه.
والذي أعِظُ بِه كافّةَ المسلمينَ في غزّةً أن يكونُوا معَ (حماسٍ) يدًا واحِدَةً علَى عَدُوّها، وأنْ يُطاوِعُوها فِيما فيهِ طاعَةٌ للهِ تعالَى، وأنْ يُناصِحُوها ما وَسِعَهُمْ ذلكَ، وأنْ يَقْدُرُوا للأمرِ حقّ قَدْرِهِ، فَلا يُضَيّقُوا علَيها ولا علَى أنْفُسِهِمْ وهُم وإياها أحوجُ ما يكونونَ إلى رَفعِ الضيقِ والحرجِ، فإنْ أشْكلَ عليهِم أمرٌ فليستشيرُوا فِيهِ مَن يَليهِمْ مِن الصالحينَ والأكابِرِ من ذَوي الأسنانِ والحُلُومِ، وأربابِ العلُومِ والفُهُومِ، وهُم القومُ لا يَجْتَمعُونَ على ضلالَةٍ إن شاءَ اللهُ، ولْيتّقِ اللهَ امْرُؤٌ في رأْيٍ يَنْفَرِدُ بِهِ فتَلْحَقُ تَبِعاتُهُ أمّةَ المسلمينَ، واتّهامُ المَرْءِ رأْيَهُ أولَى مِن اتّهامِ جماعَةِ المسلمينَ وفيهمُ العلماءُ الصالحونَ والأُمراءُ المجاهِدُونَ، ألاّ وإنّ ما يَكرَهُ الناسُ في الجماعَةِ خَيرٌ مِما يَحصُلُ من الفُرْقَةِ، ولَرَعْيُ الغَنَمِ لِحماسٍ خَيرٌ من ولايَةِ المُلْكِ لليَهودِ والنصارَى!، فَمَنْ أَبَى هذَا فَلا أَقلّ من أنْ يُخَلّيَ بَينَها وبَينَ عَدُوّها، فإنْ أظَهَرَها اللهُ تعالَى كانَ ذلكَ عزًا لَها وللمُسلمينَ، وإن كانتِ الأُخرَى كُفّ عَنْهُم ما يَكرَهُونَ!، وليشغَلْ نَفْسَهُ بِمَنْ لا يُنازِعُهُ في عداوَتِه للإسلامِ ودينِ الإسلامِ أحدٌ من المسلمينَ، والله تعالَى أسألُ أنْ يَنصُرَ المجاهِدينَ في سبيلِهِ في غزةَ وسائرِ بلادِ المسلمينَ، وأن يجمعَ كلمَتَهُم على الحقّ والتقوى، وصلى الله على محمدٍ النبيّ الأمّي وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعينَ، والحمدُ لله على التمام، والتوفيقِ في البدْءِ والختامِ.