فلنبدأ على بركة الله، لنرى الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم القدوة لحماس هل اقتفت أثرة واتخذته قدوة أم مجرد شعار، ولنكن منصفين
إن المتطلع إلى السيرة النبوية منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ونزول الوحي عليه في مكة إلى قيام دولة الإسلام في المدينة النبوية يرى بوضوح تام أن هذه الدعوة ما قامت إلا على الصدق والإخلاص والصبر، ووضوح في المنهج، والالتزام بالتعاليم، لم يكن فيها غش أو خداع ولا مداهنة، ولا رياء، ولا محاباة ولا تزلف
مع كثرت الأعداء والماكرين، وقلت الناصرين، وضعف العدة والعتاد
وشعارهم إما كفر وإما إيمان
وما كان فيها من اللين لم يكن على جانب من جوانب الدين
قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}
ومع تزايد الضغوط واتخاذ أقصى أساليب الاضطهاد ضد الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من سخرية واستهزاء ومحاولة قتل وإثارة شبهات وكثرت العروض، وتدخل الوسطاء وأهل الجاه على ترك هذا الأمر، والمساومات {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}
لم يكن منه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مداهنة، أو تغيير في الأسلوب
لم يكن للتملق أو التزلف أو الخداع والمحاباة وجها لهذه الدعوة أمام الأعداء.
لم يتقهقر، ولم يضعف ولم يشعر بالانهزام والذل والهوان حتى وهم يلقون فوق ظهره الشريفة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سلا الجزور (كرشة الجمل) بما فيها من أوساخ وأقذار حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها تطرحها عنه
نعم، بأبي وأمي هو صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
لم يتزلف، ولم يساوم، ولم يحابي، ولم يداهن، ولم يضعف، ولم يتراجع
مع نعتهم إياه بالسفيه، والكاهن، والشاعر والمجنون وكل عبارات الإرهاب والتخويف
ومع هذا ما زاده إلا رفعة وقوة، وهو الشريف الجليل الأمين صاحب المكانة العالية المرموقة بين قومه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
ولولا ذلك العز والشموخ وكبرياء الدعوة لم يقم لها قائمة فلها العزة والمكانة فكيف لها أن ترضخ للمساومات وظلم الأعداء فلا بد لها من القيام حتى تزلزل كيان أهل الكفر والمشركين وتكسر شوكة المتكبرين.
فدعوة عظيمة كهذه تحتاج إلى رجال كهؤلاء فلا بد للداعين إليها أن يتصفوا بسجايا الرجولة ومكارم الأخلاق والصبر على الأذى، وتحمل الآلام، بواطنهم نقية كظواهرهم، طهروها من الغش والخداع وزكوها من الشوائب والألواث وعدم التلون لحوادث الدهر والأيام
وصبروا حتى مكن الله لهم فحرروا كل البلاد ونشروا فيها الأمن والأمان وقد كانوا قبل ذلك مطاردين إما في كهوف أو محاصرين في الشعاب.