وكما هو معلوم فقد تشكلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ من خليط معقد غير متجانس من كلّ من يؤمن بمشروع الإسلام السياسي؛ بدءًا من التيار السلفي بقيادة بلحاج -فرج الله عنه- ومرورًا بكوادر الطلبة الذين تربّوا على الفكر العام أو من سمّوا بـ (الجزأرة) ، والمتأثرين بمدرسة ابن باديس الإصلاحية وأفكار مالك بن نبي -رحمهما الله-، ومرورًا بخليط من المتربّين على أفكار الإخوان المسلمين والمتأثرين بتيار الجهاد، وصولًا إلى المسلم العادي البسيط الذي لا يمتلك إلّا العواطف الجيّاشة، ويرى أنّ خلاصة وحل أزماته النفسيّة والماديّة من خلال المشروع الإسلامي.
أولًا: المناحي الأساسية لمنهج وموقف الجبهة الإسلامية للإنقاذ تحت قيادة الشيوخ وحتى اعتقالهم:
من خلال دراسة وافية للأدبيات الصادرة عن الجبهة في تلك المرحلة؛ وهي مجموعة التصريحات والكتابات التي صدرت عنها عبر صحيفة (المنقذ) و (الفرقان) ، ومراجعة مجموعة كبيرة من الأشرطة السمعية والمرئية المسجّلة في تلك المرحلة، ومن خلال مقابلات أجريناها مع إخوة مجاهدين ثقات -نحسبهم كذلك- كانوا في تلك المرحلة ناشطين في إطار الجبهة أو في إطار الجماعات الجهادية التي لم ترَ مجاراتها في المسار الديمقراطي، تبيّن لنا مجموعة من الأمور الهامة:
1)أنّ قيادة الجبهة وعلى رأسها الشيخ عبّاسي مدني وعلي بلحاج دخلت المسار الديمقراطي عمليًا من خلال موافقتهما -ولو ظاهريًا- على الثوابت الأساسية وهي:
-احترام الدستور الجزائري المعدّل عام 1989.
-احترام النظام الجمهوري.
-احترام مبدأ التداول على السلطة من خلال الانتخابات بين جميع الأحزاب المتصارعة على الفوز، -وفي هذا ما فيه من الانزلاق الشرعي الذي سنتعرض له لاحقًا-.
2)أنّ قيادة الجبهة وعلى رأسها الشيخان كانوا غير معتقدين بفحوى الديمقراطية بمفهومها الحقيقي، وإنّما ساروا بها إلى نهاية الشوط (حيلة) إن جاز التعبير؛ أي عن غير قناعة بتطبيقها والتزام ما التزما به في حال الفوز، وقد استندوا في تصورهم هذا إلى أمرين اثنين:
أولًا: التأييد الكاسح الذي لاقته الجبهة منذ انطلاقها، وهو تتويج لجهود الحركة الإسلامية المعاصرة في الجزائر منذ انطلاقة ابن باديس وحتى قيام الجبهة، ونتيجةً لحالة التذمّر العارمة من الاتّجاه العلماني الفرنكفوني الذي أشرفت عليه