نحن أمام حالة تكرَّرَت في كل البلاد حيث وُجِدَت حركات وأفكار الجهاد ورايات الانحراف الديمقراطية والإسلاميّة، ولكنها اليوم في الجزائر تسير نحو الاختناق الخطير، فما دوركم حتى لا نصل إلى ما لا تُحمَد عُقباه؟ وما دوركم إن اقتتل الإخوة دفاعًا عن منهج الجهاد أو رايات الديمقراطية، ماذا أنتم فاعلون؟!
يقول الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} . فما هو حكم الله ورسوله في هذا الاختلاف؟!
سيتنطّع عليَّ الآن متفلسف، أراه متكئًا على أريكته، انتفخت بطنه بعد عشاء دسم واحتسى شايًا وقرأ أخبار الإخوة في الصحف وتناثرت نشرات العمل الإسلامي أمامه على طاولة أنيقة يُقلِّب شاشة التلفزيون متتبعًا الأخبار، أخبار الجهاد طبعًا لأنه من مفكري الإسلام، وربّمَا قائد من قوَّاد هذه الحركات التي يكتوي أفرادها بنار التشريد والسجن، وربما تطارده قوات الحكومات في أزقة البلد، تلك القوات التي لم يُحْسَم بعد عن جَناب الشيخ شرعيّة قتالها وردّة رئيس أو ملك نظامها!! ربما ينتفض هذا المفكر، اتقوا الله! ألم يقل الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} ، ونريد أن يتفضّل علينا جنابه بإكمال الآية حتى يستقيم لنا البحث إذ يقول تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} الآية.
أيها الشيوخ الأفاضل، أيها الإخوة، إذا كان الله تعالى أوصانا بالإصلاح بين فئتين من المؤمنين تنازعتا مع بقاء صفات الإيمان لكل منهما على شيء من أمور الدنيا أو الدين خفي على إحداهما منه الحق، أو دفع الهوى فبغت أن نصلح ثم نقاتل الباغي. فماذا يأمرنا الشرع عندما تختلف فئتان اختلافًا لم يصل لحد الاقتتال وهو على حافته، ألا يأمرنا أن نتدخّل لنبحث في أساس الاختلاف فنرد المنحرف لكتاب الله وسنة نبيه، ثم نُوَاجِهَهَا إن أبت بما يلزم نصحًا وإعلامًا ثم كشفًا للحقائق، فإن انتقلت لتقاتل على باطلها -لوجهة تأوُّلٍ فاسد- أن ننصر الحق؟ أم أن القرآن يأمرنا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما فتابعوا محاولات الإصلاح، فإن أبت فتابعوا، فإن فشلتم فليعد كل إلى بيته فقد بلّغتم فلا تدخلوا في الفتن!! واتركوا نصرة أهل الحق لحصار الشرق والغرب؟
نحن لا نطالب هذه الجماعات الإسلاميّة غير الجزائرية أن تقاتل من انحرف عن منهج الله إن قاتله من يلتزم به، ونسأل الله أن لا يصل الأمر لهذا، نحن نقول لهم أن يقفوا إعلاميًا على الأصل، أن يُعلنوا نصرتهم لمن يَفُرِضُ عليهم الكتاب والسنة -بل من مناهجهم وراياتهم- المُعلَنة أن يقفوا معه.
فإذا سلّم لنا هؤلاء الأفاضل بأنهم يناصرون الحق، فمن هو المحق ومن هو الباغي في هذه الرايات؟
هل من يقاتل على منهج الحق مترفعًا عن رايات المزج والجاهلية؟