فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 672

وقد وردت أحاديث كثيرة تبين أهمية الإخلاص في الجهاد خصوصا، بل لم يرد في شيء من العبادات في الإخلاص فيها كما ورد في الجهاد، وذلك لأمور:

1.أن الأمور التي تفسد الإخلاص في الجهاد أكثر منها في سائر العبادات، ففي الجهاد من الناس من يجاهد للمغنم والدنيا، ومنهم من يجاهد للسمعة، ومنهم من يجاهد رياء، ومنهم للحمية، ومنهم للشجاعة والأجرة والجعل وغير ذلك، وهذه الأمور قد لا تجتمع في عبادة أخرى.

2.تأثير هذه المفسدات قوي على القلوب، أقوى من غيرها من العبادات، فوارد الرياء مثلا في الجهاد أقوى منه في الصلاة والصيام، ولهذا قد يضحي الإنسان بأغلى ما يملك وهي نفسه من أجل الرياء في الجهاد ومن أجل أن يثنى عليه به.

وكذا وارد طلب الدنيا في الجهاد أشد منه في غيره، ففي الجهاد الغنيمة وهي من أحل الحلال وتصير في ملك المجاهد بسهولة، وبلا مجهود يبذله في تحصيل هذا المال، وبكميات وأعداد هائلة، وبكيفيات تجذب القلوب إلى الدنيا وقصدها جذبا شديدا لا يقدر على نزعه إلا من رحم الله، فهناك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والألوف المؤلفة من رؤوس السبي والرقيق والأراضي والعقارات الكبيرة، وهناك سائر المال من الأثاث والمتاع والمركوب وغير ذلك، ومن قرأ التاريخ وقرأ الفتوحات وما غنمه المجاهدون في ذلك، عرف أن الأمر فوق ما وصفت بأضعاف مضاعفة.

3.خطورة الأمر وذلك لاقتراب الشخص من الموت، فإذا قتل وهو على هذه النية الفاسدة، فهي خاتمة سوء، ولا يمكنه استدراك ما فاته بالتوبة بل يقدم بهذه النية الفاسدة على الله تعالى، وذلك بخلاف العبادات الأخرى فقد يرائي الشخص وهو يصلي، وبعد الصلاة يتوب من هذا العمل، ويمكنه استدراك ما فاته.

قال ابن النحاس في المشارع:"ووجدنا الأعمال كلها وإن تنوعت، والقرب وإن تشعبت وتفرعت، وصنوف الطاعات وإن اختلفت أسبابها، وأنواع العبادات وإن اختلفت مقاصد أربابها، إذا صدر منها شيء مشوبا بالرياء والنفاق، أمكن أن يصدر منها في وقت آخر على وجه الإخلاص والوفاق، وأمكن أن يأتي العامل بما يكفر تلك الزلة، أو يتوب الله عليه ما دام في الأجل مهلة، بخلاف من ذهبت نفسه في القتال، إذ ليس له إلا رضا ذي الجلال، أو النكال الشديد والوبال، ومن خسر نفسه لم يبق له نفس أخرى يربحها، ومن أفسد خاتمته فليس له خاتمة أخرى يصلحها، وإذا ذهب رأس المال"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت