فهاهم الآن يريدون أن يسألوك أن تترك لأجلهم حسنة عظيمة وهي الشهادة في سبيل الله تعالى التي تفديك من عذاب الله تعالى، وأنت تعطيهم ذلك بدون ثمن، ففر عنهم في هذه الحياة إلى طلب الشهادة، ولا تستجب لندائهم وتخذيلهم، فلن يغنوا عنك من الله شيئا.
5.الأموال:
عجبا لمن يقدم المال على الجهاد والشهادة، وهو لا يعلم أنه قد أوقع نفسه بين ثلاث نيران: نار العقوبة كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} التوبة، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} التوبة.
ونار التهلكة، كما جاء عن أسلم أبى عمران، قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال: الناس: مه، مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال: أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى:(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبوعمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ونار الذل الذي لا يرفعه الله إلا بالجهاد والرجوع إلى الدين، وعجبا له كيف يحرص على جمعه وهو يعلم أنه مهما بلغت ثروته فلن تشبع نفسه وغريزته، بل يزداد حرصه وجشعه ولا يملأ فمه إلا التراب، وعجبا له أيضا وهو إنما يجمع همه، فكلما كثر ماله كبر همه في حفظها والحرص عليها، وعجبا له - ولا يُقضى العجب - أنه يجمعها وهو يعلم أنها عرض فان، وظل زائل لا تدوم له، ولو دامت فهو لا يدوم لها، بل يموت ويتركها لورثته، لهم غنمه وعليه إثمه وغرمه، وأعجب العجب كيف يقدم أمواله في الدنيا على الجنة التي لا خطر لها، والشهادة التي بها يكثر المال كما سبق في الفضائل، وهو يعلم أن الدنيا جميعا لا تساوي شيئا عند الجنة، فكيف بأمواله فقط، ولو تأملت ذلك بمثال بسيط لبان لك الفرق، فالذهب والفضة والجواهر النفيسة في الدنيا قليلة ومعدودة، وأما في الجنة، فقصورها من