ح. ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء/69] .
وهؤلاء المذكورون في الآية هم الرفيق الأعلى كما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة) ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) ) رواه البخاري.
وقد ورد أيضا عند النسائي في الكبرى في نفس الحديث: (فإذا بصره قد شخص وهو يقول:(بل الرفيق الأعلى من الجنة) فهذا يدل على أنهم مترافقين في الجنة، وخصهم بوصف العلو زيادة في التأكيد على أن المراد كونهم مترافقين في أعلى الجنة، وليس المراد أنهم مترافقين في الكون في الجنة.
وتفسير هذا الترافق هو كما ورد في الأحاديث السابقة من أن مسكنهم واحد وهو الفردوس الأعلى وجنة عدن، والنصوص الشرعية يفسر بعضها بعضا.
والأدلة التي جاءت في المرافقة والمعية في الجنة تدل كلها على الترافق في المنزلة والدرجة وليس في أصل الدخول، فمن ذلك ما جاء عن أبي موسى رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فأكرمه، فقال: (ائتنا) فأتاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سل حاجتك) فقال: ناقة نركبها وأعنز يحلبها أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟) فقال: (إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ضلوا الطريق، فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قال: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته، فقال: دليني على قبر يوسف، قالت: حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك فأوحى الله إليه: أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: انضبوا هذا