[الكاتب: أبو مصعب عبد الودود]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.
الحمد لله القائل في كتابه العزيز: {إِن الذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُم لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج: 10] ، والقائل: {قُلْ هَلْ تَرَبصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ منْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبصُوا إِنا مَعَكُم متَرَبصُونَ} [التوبة: 52] .
والصلاة والسلام على رسول الله القائل في الحديث الصحيح: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) .
أما بعد:
لطالما أكد المجاهدون في الجزائر وبينوا أنهم يقاتلون ويجاهدون عدوا مجرما كافرا مرتدا مبغضا للدين، حقودا على المسلمين، يتفنن في البطش والفتك بالمؤمنين، لا يفرق بين صغير وكبير، أو امرأة ورجل، أو أعزل ومسلح ... يظلم ويغدر، ويمكر بلا وازع من دين، أو خلق ولا رادع من قانون أو عرف ... نذر نفسه وقفا على خدمة الأهداف الصليبية/اليهودية، وتنفيذ المخططات الاستعمارية، معرضا كيان الأمة للفناء، ومهددا وجودها بالزوال.
يفعل ذلك كله تحت مظلة القوى المتحالفة على الإسلام، مما وفر له الحماية الضرورية التي تجنبه الوقوع تحت طائلة العقوبات الدولية، وتدفع عنه تحرش منظمات حقوق الإنسان، وتكفيه مضايقات وضغوطات وسائل الإعلام الكبرى المؤثرة ... فازدادت - جراء ذلك - جرأته، وتعددت وتنوعت جرائمه، وتتالت غدراته وفجراته، وتعاقبت عوراته وسوآته.
وكان آخر غدرة وسوأة ما قام به جيشه الجبان في جبال"سدات"بمنطقة"جيجل"، حين فر خوفا من ملاقاة الرجال، وعمد إلى غار يختبئ به بعض النسوة وكثير من الولدان وبعض الزمنى والمعطوبين من المجاهدين، ممن ليس لهم سلاح أو قدرة على القتال، فانقضوا عليهم انقضاض العُقاب على فريسته، وفتكوا بهم بوحشية لا نظير لها، وهمجية تفوق همجية الجيش الفرنسي وقت الاستعمار.
فراح ضحية هذه الهجمة الشرسة عشرات الضحايا، معظمهم أطفال ونساء ممن فروا بدينهم، وآثروا العيش في الجبال والشعاب، ومجاورة الوحوش والسباع على الركون إلى الظلمة، والعيش تحت شريعة غير شريعة الرحمن، {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8] .
فتكوا بهم لأنهم رفضوا الاستسلام، وفضلوا الموت والاستشهاد على أن يصيبهم ما أصاب أهالي المجاهدين من إذلال في جبال بابور قبل بضع سنوات.
ومما لا نشك فيه أن قادة هذا الجيش الخائر البائر كانوا يطمعون في"انتصار تاريخي"على نساء وأطفال"سدات"، على غرار ما حققوه في"بابور"، فكم كانوا بحاجة إلى نصر ولو وهمي، ولو على نسوة وقصر وعجزة، لأن النصر على المجاهدين قد استحال عليهم طيلة خمسة عشر يوما، وكانوا بحاجة إلى تلك الصور المشينة التي تظهر نساء ً وأطفالا قد أذلهم الأسر، تتداولها المحطات التلفزيونية في أنحاء المعمورة، فتتدفق عليهم بسببها برقيات التهاني ورسائل المدح والشكر من أسيادهم النصارى واليهود، وتعلق لهم الرتب العالية، وتعطى لهم النياشين والميداليات الغالية، وتُغدق عليهم العطايا والمنح والمكافآت ... لكن ثبات وشجاعة نساء المجاهدين وصبيانهم فوت على هؤلاء الأقزام فرصة الشهرة والذكر، وحرمهم نشوة النصر، فانتقموا منهم شر انتقام كعادة اللئيم الجبان إذا تمكن من الضعيف المسكين.
إن هذه المجزرة هي في الحقيقة امتداد لمجازر"بن طلحة"و"الرايس"و"غليزان"وغيرها, والتي هي بدورها امتداد للمجازر التي اقترفها الفرنسيون في 8/ماي/1945 م و 20/أوت/1956 م وغيرها، ذلك لأن الذين خططوا لهذه المجازر وأمروا بتنفيذها، هم مسوخ خرجوا من رحم فرنسا، ودرجوا في حجرها، وتخرجوا من معاهدها العسكرية، ودرسوا فن الجريمة على أيدي خبراء الإجرام وأساتذته في الجيش الفرنسي ممن قتلوا من الجزائريين خلقا لا يحصي عددهم إلا الله.
وعلاقة هؤلاء بأولئك لا زالت إلى اليوم؛ هي علاقة المرؤوس برئيسه والتابع بمتبوعه والجندي بقائده.
فلا عجب إذا رأينا هذا الجيش قد انصهر كلية في الحلف الأطلسي، وصار أداة طيعة في أيدي البنتاغون الأمريكي يأتمر بأوامره، ويندرج في خطته.
بل ذهب هؤلاء الطواغيت إلى أبعد من ذلك حين كشفوا لأول مرة جهارا نهارا وبدون حياء؛ عن تعاونهم مع الجيش اليهودي الصهيوني، وتنفيذهم معه عمليات مشتركة في البحر الأبيض المتوسط ضد إرهابيين محتملين, في تحد سافر لمشاعر الشعب الجزائري المسلم، واستفزازا لعواطفه، واستهتارا بالأمة الإسلامية قاطبة، وبدينها وقيمها.
ولا ريب أن هذه المجزرة التي حدثت لأهالي المجاهدين بجبال"سدات"؛ هي أول ثمرات هذا التعاون الميداني المشؤوم مع جيش شارون.
ونحن نكاد نجزم أن للجيش اليهودي الصهيوني ضلع في هذه المذبحة، بحكم خبرته الطويلة مع المذابح في لبنان والضفة والقطاع، وبحكم ما يملكه من قدرات تكنولوجية، فبصمات"الموساد"تكاد تكون واضحة للعيان، إذ كيف يفسر وقوع هذه المجزرة بعد أسابيع قليلة من الإعلان عن بداية التنسيق مع جيش اليهود في عز مرحلة الدعاية لسياسة"السلم والمصالحة"التي جعلها هذا النظام المرتد المفلس غطاءا يتدثر به؟!
وبعد كل هذا من حقنا أن نتساءل ونقول؛ هل بقي جزائري واحد يمكن أن يصدق بأن جيش بلاده هو فعلا جيش وطني شعبي، أو أن هذا الجيش هو حقا سليل"جيش التحرير"الذي حارب فرنسا ومعها الحلف الأطلسي؟
لأننا متأكدون أنه لم يبق في البلاد عاقل يمكن أن يصدق بأن هذا الجيش هو سليل جيش"عميروش"و"ابن المهيدي"و"زيغود"و"ديدوش"و"بن بولعيد"، فالجيش الذي يتعاون مع جيوش الحلفاء ويواليهم، وهم يسفكون كل يوم دماء المسلمين المستضعفين في أفغانستان والعراق، والجيش الذي يتدرب ويعمل ويتعاون مع جيش بني إسرائيل الذي دأب منذ عشرين عاما على قتل أطفال الانتفاضة في فلسطين، ناهيك عن مجازر صبرا وشاتيلا ... هذا الجيش لا يمكن إلا أن يكون سليل جيش"بيجار"و"لاكوست"و"ديغول"، ولو كان أبطال الثورة ورجالها المخلصون، الذين قضوا نحبهم وما بدلوا تبديلا، لو كانوا بيننا اليوم أحياءا؛ لعدوا هذا الجيش من جنس الحركي والخونة الذين كان حكمهم أثناء الثورة الذبح لتآمرهم مع الأعداء، وسفكهم لدماء أبناء جلدتهم، وارتدادهم عن الدين.
فما أجبن هؤلاء الطواغيت ... تلقبوا بألقاب القادة الكبار دون أن يخوضوا ولو معركة واحدة، لا زمن الثورة ولا زمن الإرهاب، فـ"انتصاراتهم"كلها كانت في مواجهات مع النساء والأطفال.
ما أحقر هؤلاء الأنذال ... زعموا أنهم قادة لجيش يحمي الديار، وهُمْ من سَلمَ للصليبيين ولليهود مفاتيح البلاد ورقاب العباد.
ما أشقى هؤلاء الجبابرة ... فعلوا فعلتهم الشنيعة، ثم حاولوا إخفاءها بحيل لا تنطلي حتى على الصبيان، يساعدهم في التهوين من بشاعة فعلهم الإجرامي؛ صحافة خبيثة، حاقدة ماكرة، دأبت على تشويه الحقائق، وتضليل الرأي العام والتلبيس عليه، لقلب المظلوم ظالما مدانا، والظالم مظلوما يستحق العطف.
فخيبهم الله من عسكر، وخيبهم الله من قادة، والويل لهؤلاء السحرة أصحاب الأقلام المسمومة، الذين يشمتون ويتلذذون بصور جثث الأطفال والنساء وأخبار قتلهم.
ولا يكتمل الحديث عن هذه المجزرة دون أن نعرج على مشروع الغدر والخيانة الذي يسمونه"السلم والمصالحة"، فنتساءل إن كان بقي لفرعون الجزائر الحق في التبجح بالحديث عن محاسن السلم، والتذكير بقيم التسامح والرحمة والتباكي على وحدة الشعب والدعوة إلى لم الشمل؟!
فهذه المذبحة الشنيعة، على الرغم من أنها ليست هي أول الغدر - منذ الإعلان عن المشروع - إلا أنها هي أعظم الغدر وأخطره، ألم يدع أنه أمهل المجاهدين ستة أشهر للاستسلام؟ فما باله يقتل نساءهم وأطفالهم في مدة الإمهال؟!
وهذا مؤشر كاف لمعرفة قدرة دعاة السلم والمصالحة على الغدر ونقض العهود ونكث الوعود، لأن الاستئصال طبع فيهم، والمصالحة مجرد تطبع.
وقد أصابت الجماعة السلفية للدعوة والقتال حين أعلنت منذ البداية أن هذا الرئيس المرتد؛ ثعلب ماكر وذئب غادر، لا تؤمن غائلته، وهكذا بعد أن تراجع عن وعوده بإطلاق سراح المساجين، حيث أفرج عن أعداد لضرورة الدعاية وأبقى على المئات من المعذبين في الله، يقبعون وراء القضبان ... ها هو اليوم يطلق أيدي جنرالاته - الذين أحاط بهم نفسه واختارهم لمساعدته - على ارتكاب هذه الجريمة في حق نساء وأطفال أبرياء، في خطوة معاكسة تماما للمشروع الذي يدعيه ويدعو إليه.
فأثبت بذلك للناس كافة؛ أن كل الخطب التي ألقاها كانت كذبا، وأن الوعود التي أعطاها كانت خُلفا، وأن عهوده جميعها نكثا، وأمانه كله غدرا.
فما أشبه هذا الطاغية بالنمرود، وما أشبه شهداء"سدات"بأصحاب الأخدود - نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا -
فالويل لكم أيها المرتدون القتلة المجرمون، فو الله لن تذهب دماء هؤلاء الشهداء هدرا دون عقاب.
لقد شحذتم - بفعلتكم هذه - عزائمنا على حربكم وقتالكم، وشحنتم قلوبنا بغضا وعداوة لكم، وملأتم نفوسنا همة وجوارحنا نشاطا، وألهبتم مشاعرنا حماسة لملاقاتكم والثار منكم.
ونحن على يقين أنكم صرتم على شفا حفرة من الهلاك، لأنا قد وجدنا في كتاب ربنا؛ أن الدمار والخراب يسرع إلى الجبابرة على قدر عتوهم وكفرهم وفسوقهم، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَق عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] ، وأنتم قد بلغتم ذروة الإجرام وقمة الكفران وغاية الفسوق والعصيان.
اللهم أهلك الظالمين أولياء اليهود والصليبيين، اللهم قاتل الكفرة المرتدين، اللهم سلط عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنا نسألك النصر على الأعداء والانتصار للضعفاء والانتقام للأبرياء، فإنك تؤتي الملك من تشاء, وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير.
أبو مصعب عبد الودود
أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال
رقم الديوان؛30/ 27
الخميس، 19/ربيع الثاني/1427 هـ