قلت له: وكيف اعتمدت عليك حكومة الهند في هذا وأنت مسلم مستمسك بعروة دينك، وأفغاني الأصل، وهي تعلم أن الأفغان من أشد الناس تعصبًا لدينهم ولجنسهم - كما علمنا نحن من حكيمهم، بل حكيم الإسلام والشرق السيد جمال الدين الحسيني رحمه الله تعالى -؟!
قال: (نعم، إن الحكومة كانت تعلم أنني لا يمكن أن أخبرها بشيء يضر الأمير، وتعلم مع هذا أنني لا أكذب، فكل فائدتها أن أقول الحق فيما لا يضر، فإنه ينفعها في تمحيص ما يخبرها به سائر الجواسيس الذين كانوا يحفُّون من حول الأمير) .
-وأما توبة الجاسوس من ذنبه، والمنافق من نفاقه، والكافر من كفره:
فهي صحيحة مقبولة إذا كانت توبة نصوحًا، ويترتب عليها؛ صحة صلاته والصلاة خلفه.
ولكن لا يجوز لمسلم أن يُقْدِم على مثل هذا التجسس، طمعًا في حطام الدنيا، واعتمادًا على التوبة بعد ذلك، كما أنه لا يجوز فعل أي ذنب ومعصية اتكالًا على التوبة والمغفرة.
ولكنه إن فعل - وكان صحيح الإيمان على ضعف فيه - فلا يبقى أمامه إلا التوبة والإكثار من الأعمال الصالحة، رجاء في قوله تعالى: {إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] ، وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] .
-وأما سماع المسلمين لإرشاده ونصحه، بعد علمهم بما سبق من جرمه:
فيتوقف على ما يظهر لهم من حاله بعد التوبة، فمن ثبت عنده صدق توبته وحسن حاله بعدم اجتراحه لما يجعله محلاًّ للتهمة؛ فلا بأس بسماعه لنصحه وإرشاده فيما لا محل له فيه للشك والتهمة، ومن كان لا يزال يسيء الظن به؛ فهو بالضرورة يعرض عن سماع نصحه.
وينبغي للجمهور أن يظهروا المقت من سابق عمله، فيما لا مفسدة فيه، ليكون ذلك عبرة لغيره.
مجلة المنار، المجلد: 31/ص47، شعبان/1348 هـ