الصفحة 34 من 36

{وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] ، فهو في الغالب منهم في دينهم ومذهبهم، أو منافق يُعَدُّ منهم في الكفر الجامع بينهم والفاصل بينه وبين الإسلام، كما قال تعالى في منافقي المدينة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ... الآية} [الحشر: 11] .

وقد استدل عمر بن الخطاب على نفاق حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنهما؛ بإرساله كتابًا إلى مشركي مكة يخبرهم فيه بعزم النبي صلى الله عليه وسلم على فتح مكة ليتخذ له يدًا عندهم، مع اعتقاده أن الله تعالى لابد أن ينصر رسوله عليهم - علموا أو لم يعلموا - واستأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فلم يأذن له بذلك، لما ثبت عنده صلى الله عليه وسلم من إيمان أهل بدر - وكان حاطب منهم - ومن مغفرة الله لهم، وسأل حاطبًا عن سبب إرسال الكتاب؛ فاعتذر له وقبل عذره.

وفي هذه المسألة نزلت سورة الممتحنة.

ويؤخذ منها؛ أن بعض القرائن التي تدل على الكفر والنفاق، قد تكون دلالتها غير قطعية في الباطن، مهما تكن واضحة في الظاهر، لأن صاحبها قد يكون متأولًا، وقد تكون له نية صحيحة في التجسس؛ بأن تكون لدرء الضرر عن المسلمين الذين يتجسس عليهم، فهذا الفعل نفسه معصية لا كفر، ولكن قد يكون سببه الكفر.

ولا يجوز لأحد من الناس قتله بسابق عمله [1] .

وإنما يرجح حسن الظن في الرجل الذي يكون حاله في الاعتصام بدينه - قبل ذلك وبعده - قويًّا ظاهرًا، وقليل ما هم.

حدَّثني المعاون المسلم لوالي"بنارس"الهندية في"بنارس"- وكنت ضيفًا عنده - وهو أفغاني الأصل: أن حكومة الهند الإنكليزية جعلته من الرجال الذين يقومون بخدمة الأمير حبيب الله خان - أمير الأفغان - مدة زيارته لبلاد الهند، وأن غرضها من ذلك أن يكون جاسوسًا عليه.

(1) قوله: (بسابق عمله) ؛ أي بعد إعلان توبته.

جاء في الشرح الكبير للدردير - من كتب المالكية - في التعليق على عبارة المتن: (وقتل عين وإن أُمن، والمسلم كالزنديق) : ( ..."والمسلم"العين"كالزنديق"، يُقتل إن ظُهر عليه ولا تقبل منه توبة، وإن جاء تائبا؛ قُبلت) .

وقال ابن القيم في"الزاد": (والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين؛ قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح؛ استبقاه، والله أعلم) [المنبر] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت