الصفحة 70 من 133

وقد أخرج البخاري هذا الحديث في باب تمني الشهادة من صحيحه، وأخرج فيه أيضًا حديث أنس بن مالك في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قصة أهل مؤتة، وفيه قال: "ما يسرنا أنهم عندنا"، أو قال: "ما يسرهم أنهم عندنا"، ووجه الدلالة منه على اللفظ الأول ظاهر، فالنبي صلى الله عليه وسلم فرح بما أصابهم وهو الشهادة، وذكر أنَّ بقاءهم عنده لا يسره مع أن فيهم زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم جعفر بن أبي طالب الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "والله ما أدري بأيهما أُسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"، وعبد الله بن رواحة وهو من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما سره استشهادهم إلاَّ لما للشهادة من فضلٍ يعدل هذه الأمور العظيمة، وهذا دليل على تمني الشهادة وطلبها، وهو على المعنى الثاني ظاهر أيضًا كما في الحديث الآتي.

ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا ولا أن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا، لما يرى من فضل الشهادة"، وتمني الشهيد بعد استشهاده أن يعود إلى الدنيا ليُقتل في سبيل الله، فيه أنَّهم يتمنَّون القتل لفضل القتل وحده لا لمجرد الوصول إلى النعيم عند الله، لأنهم موجودون في النعيم حقيقةً وقت تمنيهم، بل زاد على هذا أنَّهم في المكان الذي لا يُراد النزوح منه والانتقال منه طرفة عينٍ، لعظيم النعيم فيه، ومع ذلك يغلب عليهم فضل الشهادة حتى يتمنون الدنيا لأجله، وليس أحد من أهل الجنة يتمنى الرجوع غيرهم كما في الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت