5ـ ومن مقاصد الجهاد الهامة أيضا حفظ أماكن العبادة وتمكين العُبَّاد من عبادتهم، قال تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [1] ، فلولا دفع الله تعالى الكافرين بالمجاهدين في سبيله لما بقي مكان صالح لعبادة الله سبحانه.
قال القرطبي رحمه الله: أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتل الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينه أرباب الديانات من مواضع العبادات، لكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن في القتال فليقاتل المؤمنون ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله (ولولا دفع الله الناس ... ) الآية أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة، فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه، وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى، أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل هذه الآية. اه [2]
ومثل هذه الآية في المعنى قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) [3] فإن معناها أن الله تعالى يدفع الكافرين بالمؤمنين والظالمين بأهل العدل والمفسدين بأهل الصلاح ولولا ذلك لغلب أهل الكفر والفساد وملئوا الأرض من رجسهم وفسادهم ولما استطاع المؤمنون والصالحون عبادة ربهم ولا الدعوة إلى دينهم [4] .
(1) سورة الحج، الآية: 40.
(2) تفسير القرطبي ج12/ 70، راجع تفسير البيضاوي ج4/ 129، فتح القدير ج3/ 457، زاد المسير ج1/ 300
(3) سورة البقرة، الآية: 251.
(4) راجع تفسير هذه الآية في تفسير القرطبي ج3/ 260، ابن كثير ج2/ 633، تفسير أبي السعود ج1/ 245.