الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى طَلَبِ الْكُفْرِ هَلْ يَكُونُ هَذَا الدَّاعِي كَافِرًا أَوْ لَا لِأَنَّ إرَادَةَ الْكُفْرِ كُفْرٌ وَالطَّالِبَ مُرِيدٌ لِمَا طَلَبَهُ قُلْت الدَّاعِي لَهُ حَالَتَانِ تَارَةً يُرِيدُ الْكُفْرَ بِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ فَيَقَعُ تَابِعًا لِمَقْصُودِهِ لَا أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ كَمَا قَالَ عليه السلام {وَدِدْت أَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلَ , ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلَ} فَقَدْ طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ لَكِنَّهُ عليه السلام مُرَادُهُ وَمَقْصُودُهُ مَنَازِلُ الشُّهَدَاءِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ وَقَعَ تَابِعًا لِمَقْصُودِهِ لَا أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَمِثْلُ هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ , وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ مِنْ قَوْلِهِ {إنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِك فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} مَقْصُودُهُ إنَّمَا هُوَ السَّلَامَةُ مِنْ الْقَتْلِ لَا مِنْ أَنْ يَقْتُلَ وَيَصْدُرَ مِنْهُ مَعْصِيَةُ الْقَتْلِ. وَإِنْ لَزِمَ عَنْ ذَلِكَ مَعْصِيَةُ أَخِيهِ بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ عليه الصلاة والسلام {كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ} فَأَمَرَهُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَعْزِمَ هُوَ عَلَى الْقَتْلِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ إنَّمَا هُوَ السَّلَامَةُ وَوَقَعَ غَيْرُ ذَلِكَ تَبَعًا وَتَارَةً يُرِيدُ الْكُفْرَ بِالذَّاتِ فَهَذَا كَافِرٌ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ بِالْكُفْرِ لَيْسَ إلَّا , كَذَلِكَ هَذَا الدَّاعِي إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ هَذَا الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ رَبَّهُ لَا أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ وَيَقَعَ الْكُفْرُ تَبَعًا لِمَقْصُودِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِكُفْرٍ. نَعَمْ قَدْ لَا يَكُونُ الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَابَلَ عَلَيْهَا بِهَذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ فَيَكُونُ عَاصِيًا بِجِنَايَتِهِ عَلَى الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ لَا كَافِرًا فَهَذَا تَفْصِيلُ حَالِ هَذَا الدُّعَاءِ , وَقَدْ غَلِطَ جَمَاعَةٌ فَأَفْتَوْا بِالتَّكْفِيرِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ
قَالَ (الْقِسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِ لِأَنَّهُ سَعْيٌ فِي إضْرَارٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ فَيَكُونُ حَرَامًا كَسَائِرِ الْمَسَاعِي الضَّارَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ , فَإِنْ قُلْت اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَلَا يُجِيبُ دُعَاءَ مَنْ دَعَا ظُلْمًا لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ إضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَظْلِمُ أَحَدًا فَلَا يَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ سَعْيًا لِلْإِضْرَارِ وَلَا وَسِيلَةً لَهُ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ ضَرَرًا , وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ ذُنُوبٍ اقْتَرَفَهَا أَوْ سَيِّئَاتٍ اكْتَسَبَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الدَّاعِي فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ هَذَا الدَّاعِي الظَّالِمِ بِدُعَائِهِ وَيَجْعَلُهُ سَبَبًا لِلِانْتِقَامِ مِنْ هَذَا الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ السَّالِفَةِ كَمَا يَنْفُذُ فِيهِ سَهْمُ الْعَدُوِّ وَالْكَافِرِ وَسَيْفُ الْقَاتِلِ لَهُ ظُلْمًا إمَّا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِذُنُوبِهِ أَوْ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ السَّيْفِ وَالسَّهْمِ ظَالِمٌ فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّعَاءِ ظَالِمٌ بِدُعَائِهِ , وَيُنْفِذُ اللَّهُ دُعَاءَهُ كَسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ , وَلِذَلِكَ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِ السِّبَاعَ وَالْهَوَامَّ لِلِانْتِقَامِ , وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي حَقِّهَا مَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُ هَذَا الدَّاعِيَ أَيْضًا عَلَى دُعَائِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْكُلُّ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ لَوْ جَوَّزْنَا خُلُوَّ هَذَا الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ مِنْ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا وَطَهَارَتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ لَجَوَّزْنَا اسْتِجَابَةَ هَذَا الدُّعَاءِ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَإِظْهَارِ صَبْرِ الْعَبْدِ وَرِضَاهُ فَيَحْصُلَ لَهُ الْجَزِيلُ مِنْ الثَّوَابِ) . قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ صَحِيحٌ إلَّا قَوْلَهُ وَإِظْهَارُ صَبْرِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ يُرِيدُ بِهِ اشْتِرَاطَ الصَّبْرِ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ بِالْمَصَائِبِ وَالْآلَامِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ فِي الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالسِّتِّينَ وَالْمِائَتَيْنِ وَسَبَقَ الْقَوْلُ فِي مُخَالَفَتِي إيَّاهُ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُرِدْ اشْتِرَاطَ الصَّبْرِ فِي ذَلِكَ بَلْ أَرَادَ إنَّمَا ذَكَرَهُ مِنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ الظَّالِمِ , وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُصِيبَاتِ يَكُونُ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الصَّبْرِ وَيَكُونُ أَيْضًا سَبَبًا لِوُقُوعِ الصَّبْرِ مِنْ الصَّابِرِ فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَهُ هُنَالِكَ وَنَاقَضَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رحمه الله وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِهِ وَالْمُسْتَنَدُ فِي ذَلِكَ قوله تعالى {وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} لَكِنَّ الْأَحْسَنَ الصَّبْرُ وَالْعَفْوُ لقوله تعالى {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أَيْ مِنْ مَعْزُومِهَا وَمَطْلُوبِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , فَإِنْ زَادَ فِي الْإِحْسَانِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ دَعَا لَهُ بِالْإِصْلَاحِ