صَاحِبِهِ وَلِأَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ إمْكَانِهِ , وَمَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ نَفْسَهُ , وَمَنَعَ حُرَّاسَهُ مِنْ الدِّفَاعِ عَنْهُ - وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ يَوْمَ الدَّارِ - وَقَالَ: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ حُرٌّ , وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الصَّائِلِ مُطْلَقًا , أَيْ سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا , مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ , آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ , لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} . وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّائِلُ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا لَا إثْمَ عَلَيْهِمَا كَالْبَهِيمَةِ. وَاسْتَثْنَى الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَسَائِلَ مِنْهَا: أ - لَوْ كَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ عَالِمًا تَوَحَّدَ فِي عَصْرِهِ , أَوْ خَلِيفَةً تَفَرَّدَ , بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَى قَتْلِهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ , لِعَدَمِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ , فَيَجِبُ دَفْعُ الصَّائِلِ. ب - لَوْ أَرَادَ الصَّائِلُ قَطْعَ عُضْوِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الشَّهَادَةِ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ رحمه الله: وَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ عُضْوٍ عِنْدَ ظَنِّ السَّلَامَةِ , وَعَنْ نَفْسٍ ظَنَّ بِقَتْلِهَا مَفَاسِدَ فِي الْحَرِيمِ وَالْمَالِ وَالْأَوْلَادِ. ج - قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ دَفْعَ الصَّائِلِ بِغَيْرِ قَتْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ وَإِلَّا فَلَا. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَنْ النَّفْسِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْفِتْنَةِ , لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَلِأَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا. أَمَّا فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ , فَلَا يَلْزَمُهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {فَإِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ , فَأَلْقِ ثَوْبَك عَلَى وَجْهِك} وَلِأَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه تَرَكَ الْقِتَالَ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , وَمَنَعَ غَيْرَهُ قِتَالَهُمْ , وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَأَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
د - الْقِتَالُ دِفَاعًا عَنْ الْعِرْضِ وَالنَّفْسِ وَالْمَالِ:
8 -إذَا تَعَرَّضَ شَخْصٌ لِإِنْسَانٍ يُرِيدُ الِاعْتِدَاءَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ رَدُّهُ بِأَسْهَلِ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ فَعَلَ ذَلِكَ , وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ إلَّا بِالْقِتَالِ قَاتَلَهُ , فَإِنْ قُتِلَ الْمُعْتَدَى عَلَيْهِ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَإِنْ قُتِلَ الْمُعْتَدِي فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ , وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ , وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: {جَاءَ رَجُلٌ , فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْت إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَك , قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ , قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ , قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلْته؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ} . إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُفَرِّقُونَ فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ وَالْقِتَالِ بَيْنَ مُحَاوِلَةِ الْعُدْوَانِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْعِرْضِ أَوْ الْمَالِ , فَبِالنِّسْبَةِ لِلْعُدْوَانِ عَلَى الْعِرْضِ , فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الْمُعْتَدِي عَلَى الْعِرْضِ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِهِ وَلَوْ بِالْقِتَالِ , لِأَنَّ الْعِرْضَ لَا يَجُوزُ إبَاحَتُهُ , قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ أَرَادَهَا رَجُلٌ عَنْ نَفْسِهَا فَقَتَلَتْهُ لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُدْوَانِ عَلَى النَّفْسِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْأَصَحِّ وَالْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَخْلِيصُ نَفْسِهِ إلَّا بِالْقِتَالِ فَإِنَّهُ يُقَاتِلُهُ , وَفِي الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ , وَيَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُعْتَدِي مُهْدَرَ الدَّمِ , فَإِنْ كَانَ مُهْدَرَ الدَّمِ كَالْكَافِرِ وَجَبَ قِتَالُهُ , وَمَا سَبَقَ مِنْ