فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 130

دَعْوَةِ الظَّالِمِ , وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُصِيبَاتِ يَكُونُ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الصَّبْرِ وَيَكُونُ أَيْضًا سَبَبًا لِوُقُوعِ الصَّبْرِ مِنْ الصَّابِرِ فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَهُ هُنَالِكَ وَنَاقَضَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رحمه الله وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِهِ وَالْمُسْتَنَدُ فِي ذَلِكَ قوله تعالى {وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} لَكِنَّ الْأَحْسَنَ الصَّبْرُ وَالْعَفْوُ لقوله تعالى {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أَيْ مِنْ مَعْزُومِهَا وَمَطْلُوبِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , فَإِنْ زَادَ فِي الْإِحْسَانِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ دَعَا لَهُ بِالْإِصْلَاحِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الظُّلْمِ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَى نَفْسِهِ بِمَثُوبَةِ الْعَفْوِ وَتَحْصِيلِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِلَى الْجَانِي بِالتَّسَبُّبِ إلَى إصْلَاحِ صِفَاتِهِ وَإِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِالتَّسَبُّبِ إلَى كِفَايَتِهِمْ شَرَّهُ فَهَذِهِ ثَلَاثُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْإِحْسَانِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَفُوتَ اللَّبِيبَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذْ دَعَا بِمَكْرُوهٍ عَلَى غَيْرِهِ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَك مِثْلُهُ , وَإِذَا دَعَا بِخَيْرٍ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَك مِثْلُهُ) قُلْت لَيْسَ فِي الْآيَةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ , وَإِنَّمَا فِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الِانْتِصَارِ وَالِانْتِصَارُ هُوَ الِانْتِصَافُ مِنْهُ عَلَى دَرَجَةٍ لَا يَكُونُ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى قَدْرِ الظُّلْمِ وَبِالْوَجْهِ الَّذِي أُبِيحَ الِانْتِصَافُ بِهِ , وَجَوَازُ الِانْتِصَافِ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِتَيْسِيرِ أَسْبَابِ الِانْتِصَافِ مِنْهُ فَقَدْ يُسَوِّغُ دَعْوَى دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ ضِمْنًا لَا صَرِيحًا , وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا بِضِمْنٍ وَلَا صَرِيحٍ , وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ دَعَا لَهُ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى الْجَانِي صَحِيحٌ أَيْضًا , وَمَا عَقَّبَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمُخْبِرِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ تَقُولُ وَلَك مِثْلُهُ إنْ كَانَ أَرَادَ حَمْلَهُ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي الدُّعَاءِ بِالْمَكْرُوهِ , وَكَذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ بِالْمَحْبُوبِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ صَحِيحًا بَلْ إنْ دَعَا عَلَى ظَالِمٍ بِأَنْ يُصَابَ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ فَلَا يَقُولُ الْمَلَكُ وَلَك مِثْلُهُ , وَإِنَّمَا يَقُولُ الْمَلَكُ ذَلِكَ إذَا دَعَا عَلَى بَرِيءٍ أَوْ عَلَى جَانٍ بِأَزْيَدَ فِي جِنَايَتِهِ هَذَا فِي جَانِبِ الْمَكْرُوهِ , وَأَمَّا الدُّعَاءُ فِي جَانِبِ الْمَحْبُوبِ فَلَا أَرَاهُ إلَّا عَلَى إطْلَاقِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (تَنْبِيهٌ مِنْ الظَّلَمَةِ مَنْ إذَا عَلِمَ بِالْمُسَامَحَةِ وَالْعَفْوِ زَادَ طُغْيَانُهُ وَلَا يَرْدَعُهُ إلَّا إظْهَارُ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ الْعَفْوُ عَنْهُ بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تُظْهِرْ لَهُ ذَلِكَ بَلْ أَظْهِرْ لَهُ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَاسْتِصْلَاحُهُ وَمَنْ يَجُودُ إذَا جُدْت عَلَيْهِ كَانَ سِمَةَ خَيْرٍ فَيَنْبَغِي إظْهَارُ ذَلِكَ لَهُ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (وَحَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ فَلَا يَدْعُ عَلَيْهِ بِمُلَابَسَةِ مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِالْكُفْرِ فَإِنَّ إرَادَةَ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ وَإِرَادَةَ الْكُفْرِ كُفْرٌ) قُلْت لَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاقُ عِنْدِي بِصَحِيحٍ بَلْ إنْ اقْتَرَنَ بِإِرَادَةِ الْمَعْصِيَةِ قَوْلٌ فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ فِعْلٌ فَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ وَإِلَّا فَلَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم {إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ} فَإِرَادَةُ الْكُفْرِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَلَا أَعْلَمُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الْآنَ مُعَارِضًا فَلَا كُفْرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. هَذَا فِي إرَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ أَنْ يَكْفُرَ فَكِلَا الْإِرَادَتَيْنِ مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ (بَلْ تَدْعُو عَلَيْهِ بِإِنْكَادِ الدُّنْيَا وَلَا تَدْعُ عَلَيْهِ بِمُؤْلِمَةٍ لَمْ تَقْتَضِهَا جِنَايَتُهُ عَلَيْك بِأَنْ يَجْتَنِيَ عَلَيْك جِنَايَةً فَتَدْعُوَ عَلَيْهِ بِأَعْظَمَ مِنْهَا فَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْك ; لِأَنَّك جَانٍ عَلَيْهِ بِالْمِقْدَارِ الزَّائِدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت