وقال الإمام ابن العربي -رحمه الله-: [وقد جاء القتل بأكثر من عشرة أشياء، منها متفق عليها ومنها مختلف فيها فلا تعلق بهذا الحديث لأحد.] (أحكام القرآن: 3/ 163)
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- في كلامه عن التعزير: [وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ به القتل مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك قولان أحدهما: قد يبلغ به القتل، فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة، وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد كابن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي وأحمد في قتل الداعية إلى البدع؛ ومن لا يزول فساده إلا بالقتل؛ وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم] (مجموع الفتاوى: 9/ 288) .
وقد نقلت من قبل ترجيح الإمام ابن القيم لهذا القول وذهابه إليه، وممن اختاره من المعاصرين الشيخ عبد الله عزام رحمه الله حيث قال: [وقد مال الإمام ابن القيم إلى رأي الإمام مالك. ونحن نرى رأي الإمام مالك رحمه الله] (الذخائر: 1/ 304) .
وقال أيضًا -طيب الله ثراه-: [أما قتل الجاسوس المسلم فيرجع أمره إلى الأمير، فإن كانت المصلحة في قتله يقتل اعتمادًا على رأي الإمام مالك وابن القيم، وإن كانت المصلحة في تركه فيترك حسب رأي الأئمة الثلاثة.] (كلمات من النار:314) .
فخلاصة هذا القول: أن الجواسيس الذين يرتكبون بعض صور التجسس التي لا تكون فيها الإعانة للكفار على المسلمين ظاهرة جلية، ويكون أمرها ملتبسًا ومشتبهًا بها، فعقوبتهم تعزيرية يُبذل فيها الوسع لإنزال العقوبة المناسبة بجرمهم، من ضربٍ، أو سجنٍ، أو نفيٍ، أوقتلٍ، بحيث تزجره هو وأمثاله عن مثل هذه الأفعال الشنيعة والمخازي الوضيعة، والله تعالى أعلم.
ولا ريب أن هذا النوع من الجواسيس يجوز العفو عنهم بعد الاجتهاد والتحري، إن اقتضت المصلحة ذلك كما هو الحال في سائر العقوبات التعزيرية.
قال الطبري-رحمه الله-: [في حديث حاطب بن أبى بلتعة من الفقه: أن الإمام إذا ظهر من رجل من أهل الستر على أنه قد كاتب عدوًا من المشركين ينذرهم ببعض ما أسره المسلمون فيهم من عزم، ولم يكن الكاتب معروفًا بالسفه والغش للإسلام وأهله، وكان ذلك من فعله هفوة وزلة من غير أن يكون لها أخوات؛ فجائز العفو عنه كما فعله الرسول بحاطب من عفوه عن جرمه بعدما اطلع عليه من فعله] (شرح صحيح البخارى لابن بطال: 5/ 162) . وتأمل كيف يصف الإمام الطبري فعل