رضي الله تعالى عنه:"إن الرجل ليتكلم بالكلمة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون بها منافقًا"، وكما قال عوف بن مالك لذلك المتكلم بذلك الكلام القبيح:"كذبت، ولكنك منافق"، وكذلك قال عمر في قصة حاطب:"يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، وفي رواية:"دعني أضرب عنقه فإنه منافق"، وأشباه ذلك كثير، وكذلك قال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة، لما قال ذلك الكلام:"كذبت ولكنك منافق، تجادل عن المنافقين".
ولكن ينبغي أن يعرف: أنه لا تلازم بين إطلاق النفاق عليه ظاهرًا، وبين كونه منافقًا باطنًا، فإذا فعل علامات النفاق، جاز تسميته منافقًا لمن أراد أن يسميه بذلك، وإن لم يكن منافقًا في نفس الأمر، لأن بعض هذه الأمور قد يفعلها الإنسان مخطئًا لا علم عنده، أو لقصد يخرج به عن كونه منافقًا، فمن أطلق عليه النفاق لم ينكر عليه، كما لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسيد بن حضير تسميته سعدًا منافقًا، مع أنه ليس بمنافق] (الدرر السنية: 10/ 174) .
وفيها أيضًا: [ومن كفر إنسانًا أو فسقه أو نفقه متأولًا غضبًا لله تعالى فيرجى العفو عنه، كما قال عمر رضي الله عنه في شأن حاطب بن أبي بلتعة إنه منافق، وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم] (الدرر السنية: 13/ 416) .
والخلاصة: أن الذي أراه راجحًا أن خصوص فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لم يكن كفرًا مخرجًا من الملة، ولا هو من قبيل النفاق الأكبر، وإنما هو كبيرة من الكبائر التي غفرها الله له بشهوده بدرًا كما ذهب لذلك أكثر الأئمة، إلا أن مثل هذا الفعل محتمل للكفر ولغيره، فتارة يكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وتارة يكون كبيرة من الكبائر، والذي يحدد ذلك إما معرفة قصد الفاعل من فعله (ما حملك على ما صنعت) ، وإما بما يحصل من القرائن والشواهد والأمارت والدلائل التي تصاحب الفعل أو الفاعل.
قال الشيخ أبو قتادة الفلسطيني -فرج الله كربه-: [والصّحيح أنّ الجاسوس المسلم دائر بين هذه الأحكام، فقد يكون فعله دالاًّ على الردّة وقد يكون معصية من المعاصي لا تخرج صاحبها من الإسلام، وههنا للتّمييز بين الجاسوسين لابدّ من تبيّن القصد، والقصد وإن كان أمرًا قلبيًّا إلاّ أنّه يمكن معرفته بالقرائن، كقول الفقهاء في التّمييز بين القتل العمد وشبه العمد، أنّ الفارق بينهما هو القصد، فإذا قصد الرّجل القتل فهو عمد، وإن لم يقصد فهو شبه العمد: وطريقة معرفة القصد هي الآلة المستخدمة في القتل، فإن كانت الآلة ممّا يقتل بها عادة فهو قاصد، وإن كانت الآلة لا يقتل