وكلام الحافظ -رحمه الله- يمكن التسليم به إلا قوله:"وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم استحق القتل"، فمثل هذا لا يليق بعمر رضي الله عنه إلا إن كان مقصده أن من خالفه في مثل هذه الأمور العظام التي تشابه أفعال المنافقين وتدل على موالاة الكافرين، كما أن استئذان عمر رضي الله عنه في قتل حاطب لا يدل على أنه لم يجزم بنفاقه ولا بكفره بل الظاهر خلاف ذلك، إذ لو كان شاكًا في الأمر أو مترددًا فيه كيف يقدم على تكفيره واستحلال قتله، فالصحيح أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الإمام والمقدَّم وليس لأحد أن يقدِّم بين يديه ولهذا قال الحافظ نفسه فيما يستنبط من هذه القصة: [وفيه تأدب عمر، وأنه لا ينبغي إقامة الحد والتأديب بحضرة الإمام إلا بعد استئذانه] (فتح الباري: 19/ 396) ، وقال الإمام النووي فيما يستنبط من القصة: [وفيه أنه لا يحد العاصي، ولا يعزر إلا بإذن الإمام] (شرح النووي على مسلم: 8/ 264) .
وقد نقل الحافظ ابن حجر شيئًا مما ذهب إليه بعض العلماء في توجيه قول عمر لحاطب رضي الله عنهما فقال -رحمه الله-: [وفي حديث ابن عباس"قال عمر فاخترطت سيفي وقلت: يا رسول الله أمكني منه فإنه قد كفر"وقد أنكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني هذه الرواية وقال ليست بمعروفة، قاله في الرد على الجاحظ؛ لأنه احتج بها على تكفير العاصي، وليس لإنكار القاضي معنى؛ لأنها وردت بسند صحيح ... وإذا ثبت فلعله أطلق الكفر وأراد به كفر النعمة كما أطلق النفاق وأراد به نفاق المعصية، وفيه نظر لأنه استأذن في ضرب عنقه فأشعر بأنه ظن أنه نافق نفاق كفر؛ ولذلك أطلق أنه كفر، ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير من ارتكب معصية ولو كبرت كما يقوله المبتدعة، ولكنه غلب على ظنه ذلك في حق حاطب، فلما بين له النبي صلى الله عليه وسلم عذر حاطب رجع.] (فتح الباري: 19/ 396) .
والشاهد من هذا كله أن استنباط كون فعل حاطب كفرًا بالاعتماد على ما قاله عمر رضي الله عنه وادعاء إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له لا يكاد يستقيم ولا يُسلَّم لما ذكرته، ولوجود نظير لما أطلقه عمر مما يقطع معه أنه ليس في حقيقته كفرًا مخرجًا من الملة ولا هو من قبيل النفاق الأكبر، كما قال أسيد بن حضير رضي الله عنه لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين، فمثل هذا كان يصدر عن الصحابة رضوان الله عنهم متأولين وفي حالة غضب لله ولرسوله، ولم يؤاخذهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم ينكر عليهم إلا أحيانًا؛ لعلمه أن الحامل لهم على ذلك هو قوة المولاة والمناصرة والحمية له صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال بعض علماء الدعوة النجدية: [وقد كان الصحابة رضي الله عنهم، يفعلون ذلك كثيرًا، كما قال حذيفة