فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 145

وهو يعدد بعض صور الخطأ المغفور في الاجتهاد: [والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعملية ... أو اعتقد أن من جس للعدو وعلمهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم فهو منافق، كما اعتقد ذلك عمر في حاطب وقال: دعنى أضرب عنق هذا المنافق، أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق، كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين] (مجموع الفتاوى: 20/ 35) .

فيفهم من كلامه رحمه الله أن عمر رضي الله عنه قد قال ما قال مجتهدًا متأولًا بحسب ما فهم من ظاهر فعل حاطبٍ ظانًا أنه عينُ فعل المنافقين؛ ولهذا استحل قتله واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وتمثيل شيخ الإسلام بقصة عمر مع حاطب في مغفرة خطأ المجتهد متكرر في كتبه، ومثله قصة أسيد بن حضير مع سعد بن عبادة رضي الله عنهم أجمعين.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: [ولم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين رمى حاطب بن أبي بلتعة المؤمن البدري بالنفاق لأجل التأويل، ولم يؤاخذ أسيد بن حضير بقوله لسعد سيد الخزرج: إنك منافق تجادل عن المنافقين؛ لأجل التأويل، ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدخشم: ذلك المنافق نرى وجهه وحديثه إلى المنافقين؛ لأجل التأويل] (إعلام الموقعين: 4/ 89) .

وقال الإمام البغوي -رحمه الله-:[وفيه دليل على أن من كفر مسلمًا، أو نفقه على التأويل، وكان من أهل الاجتهاد لا يعاقب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنف عمر بن الخطاب على قوله:"دعني أضرب عنق هذا المنافق"بعد ما صدقه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ادعاه؛ لأن عمر لم يقل ذلك على سبيل العدوان، إذ كان ذلك الصنيع من حاطب

شبيها بأفعال المنافقين] (شرح السنة: 11/ 75) .

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الحمية الإيمانية والغيرة الدينية هي التي حملته على قول ما قال في حق حاطب رضي الله عنه كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: [إنما قال ذلك عمر مع تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب فيما اعتذر به؛ لما كان عند عمر من القوة في الدين وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم استحق القتل، لكنه لم يجزم بذلك فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقًا لكونه أبطن خلاف ما أظهر] (فتح الباري لابن حجر: 13/ 492) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت