فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 145

النبي صلى الله عليه وسلم على بعضها دون بعض تحكمٌ محضٌ بلا دليل، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: لقد صدقكم حاطب في أنه أراد برسالته حفظ أهله وفي أنه لم يفعل ذلك كفرًا ولا ردة.

ثم بنى على هذا التصديق حكمًا وهو قوله: [صدق ولا تقولوا له إلا خيرا] ، فنهيهم عن أن يقولوا له إلا خيرًا معلَّلٌ بصدقه فيما أخبر به عن نفسه، فلو كان قوله: [وما فعلته كفرًا ولا ارتدادًا] لا تأثير له في أصل الحكم لما كان لتصديق النبي صلى الله عليه وسلم له معنى، ولعَدَل إلى بيان ما هو أولى منه وأهم وهو تعليم حاطب بأن هذا الفعل لا يقال فيه [لم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا] إذ من فعله بهذا الدافع وغيره في حكم الشرع سواء، ومعلومٌ أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم، فلما لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، مع تصديقه لحاطب فيما تعلل به لنفسه واحتج به لفعله علمنا أن فعله ليس صريحًا ولا قطعيًا في الكفر وإن كان محتملًا له، وباستبيان النبي صلى الله عليه وسلم واستفصاله وبإقراره لصحة جواب حاطب وتصديقه له علمنا أن فعله رضي الله عنه لم يكن من قبيل المكفِّرات والله تعالى أعلم.

خامسًا: احتج البعض على أن فعل حاطب رضي الله تعالى عنه يعد كفرًا بالعبارات المتعددة التي جاءت على لسان عمر رضي الله عنه كقوله: [دعني أضرب عنق هذا المنافق] ، وقوله: [إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه] ، وفي رواية: [أمكني منه فإنه قد كفر] ، وعند البزار بإسناد صحيح: [أمكني من حاطب فإنه قد كفر فأضرب عنقه] .

فقال هؤلاء المحتجون إن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمع هذه الكلمات والأوصاف من عمر رضي الله عنه ومع ذلك فلم ينكر عليه إطلاقها بل أقره على ما فهم، وعمر قد قال في حق حاطب"هذا المنافق"وقال"قد كفر"وليس هذا إلا النفاق الأكبر، والكفر الأكبر المخرجيْن من الملة لأنه رتب ضرب عنق حاطب عليهما.

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن في هذا الاستنباط إشكالًا: وهو أن عمر رضي الله عنه أطلق ما أطلق من الأحكام والأوصاف ليس على فعل حاطب فحسب، وإنما على حاطب نفسه إذ سماه منافقًا، وقال عنه قد كفر، وفي رواية أنه نكث وظاهر أعداءك عليك، فما فعله عمر هو تكفير لحاطب رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر فهمه وأقره عليه، فعليه أن يقول بكفر حاطب ونفاقه ونكثه ومظاهرته، ولا يقتصر على وصف مجرد فعله بأنه كفرٌ ونفاقٌ ونكثٌ ومظاهرة، وهذا لا يقول به أحدٌ قطعًا فإن الجميع متفقون على أن حاطبًا -رضي الله عنه- لم يكفر وإنما الخلاف في نفس فعله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت