قال الإمام ابن جرير -رحمه الله: [ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك (فليس من الله في شيء) ، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر] (تفسير الطبري: 6/ 313) .
وقال الإمام ابن حزم -رحمه الله:[وكذلك من سكن بأرض الهند، والسند، والصين، والترك، والسودان، والروم، من المسلمين فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر، أو لقلة مال، أو لضعف جسم، أو لامتناع طريق، فهو معذور، فإن كان هنالك محاربًا للمسلمين معينًا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.
وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم، فما يبعد عن الكفر وما نرى له عذرًا ونسأل الله العافية] (المحلى: 11/ 200) .
فتأمل كلام هذا الإمام ثم قارنه بما يصدر في هذا العصر من فتاوى ضالة تجيز للمنتسبين للإسلام المنضوين تحت لواء أهل الصليب بأن يقاتلوا المسلمين في أفغانستان إن خافوا أن يتهموا في (ولائهم الوطني) وحتى لا تضيع جهود عشرات السنوات من الدعوة، ولَزوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم مسلمٍ بغير حقٍ فأين أين تذهبون؟ ولسنا ندري أين ذهب الحرص على الولاء الوطني في حق أولئك الذين خرجوا مع قومهم -مدعين الاستضعاف- فأنزل الله فيهم وفي أمثالهم:
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء/97]
فالإمام أبو علي ابن حزم -رحمه الله- قد ذكر صورتين وفرق بينهما:
فالصورة الأولى: هي أن يكون بعض المسلمين مقيمًا مع الكفار في دار الحرب، ثم يعين هؤلاء الكفرة في حربهم للمسلمين، وذكر من الإعانة أدنى أحوالها الخدمة والكتابة تنبيها على أعلاها وهي مشاركتهم بالقتال أو الرأي، فهذا كافرٌ خارجٌ عن ملة الإسلام.
والصورة الثانية: وهي أن يكون المسلم مقيمًا في دراهم تجري عليه أحكامهم كما تجري أحكام الإسلام على أهل الذمة، وهو مع ذلك قادرٌ على التخلص منهم بالهجرة واللحوق بدار الإسلام، غير أنه ليس معينًا للكفار ولا محاربًا للمسلمين، وإنما أقعدته الدنيا وشدته ثقلة الأرض، فهذا الذي قال عنه الإمام ابن حزم: ما يبعد عن الكفر وما نرى له عذرًا.