فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 145

قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم! وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله - أو كما قالوا -، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلَّمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارَهم، تستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك! فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه السلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء، فنزلت] (تفسير الطبري: 8/ 11) .

ومن تأمل في كتاب الله تعالى وجد ذكر المظاهرة متكررًا ومعلَّقًا عليه بعض الأحكام، وذلك أن المظاهرة هي المعاونة، فهي تقوية لمن يعينه وشد لظهره وتأييد له فيما هو عليه، فكأن من أعان الكفار على المسلمين قد قوى ظهورهم وشد أزرهم ولهذا سمي مظاهرًا كما قال العلامة ابن عاشور: [والمظاهرة: التعاون، يقال: ظاهره، أي أيده وأعانه، قال تعالى:"ولم يظاهروا عليكم أحدًا"، ولعلّ أفعال المظاهر ووصف ظهير كلها مشتقة من الاسم الجامد، وهو الظَّهر لأن المعين والمؤيد كأنه يشد ظَهر من يعينه ولذلك لم يسمع لهذه الأفعال الفرعية والأوصاف المتفرعة عنها فعل مجرد] (ا التحرير والتنوير: 15/ 179) .

قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] ، فقد جعل عدم مظاهرتهم على المسلمين موجبًا لإبقاء عهدهم وعدم نصب الحرب لهم، فهم في مأمن ما لم يظاهروا فإن ظاهروا انتقض عهدهم كما قال الإمام ابن جرير -رحمه الله-: ["ولم يظاهروا عليكم أحدا"من عدوكم فيعينوهم بأنفسهم، وأبدانهم، ولا بسلاح، ولا خيل، ولا رجال،"فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم"يقول: ففوا لهم بعهدهم الذي عاهدتموهم عليه ولا تنصبوا لهم حربًا إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم] (تفسير الطبري: 6/ 318) .

وقال عز وجل: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 9]

وقال سبحانه: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَاسِرُونَ فَرِيقًا} [الأحزاب/26]

وكما ذكرت قبلًا فإن للعلماء عبارات صريحة في هذا الشأن بل نقل غير واحد منهم الإجماع على هذا الحكم، وأن كل من ظاهر الكفار على المسلمين وأعانهم عليهم بأي نوع من أنواع الإعانة فإنه كافرٌ مرتكبٌ لناقض من نواقض الإسلام، فمن ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت