يقول الإمام الجويني رحمه الله:"ولو نصبنا من ليس قرشيا إذ لم نجد منتسبا إلى قريش، ثم نشأ في الزمان قرشي على الشرائط المطلوبة، فإن عسر خلع من ليس نسيبا أقررناه، وإن لم يتعذر خلعه فالوجه عندي تسليم الأمر إلى القرشي، فإن هذا المنصب في حق المستحقين المعتزين إلى شجرة النبوة، والذي قدمنا نصبه في منزلة المستناب عمن يجمع إلى فضائل الاسباب شرف الانتساب، فإذا تمكنا من رد الأمر إلى النصاب ابتدرناه بلا ارتياب"
وبإعمال هذه القيود والضوابط التي تَحُف قاعدة الضرورة ينضبط العمل بها ولا يمكن أن تتخذ وسيلة للتحلل من الشرع.
ـ الثاني: أن تحديد الضرورة من عدمها أمرٌ اجتهادي، وهذا يعني:
(أولا) أنه وظيفة أهل الاجتهاد لا الخطباء والوعاظ وصغار طلاب العلم.
(ثانيا) أنه أمر تختلف فيه الأنظار فقد يرى مجتهد في نازلة ما ضرورة تستلزم حكما استثنائيا بينما يرى آخر أن الأمر لا تنطبق عليه شروط الضرورة الملجئة، وهذا الاختلاف من باب الاختلاف في تحقيق مناط الحكم وإنزاله على الواقع وهو من الخلاف المعتبر الذي لا إنكار فيه إذا صدر من أهله وكان الواقع محتملا لهذا الاجتهاد، لأن كل واحد منهما يتفق مع الآخر على الحكم والتأصيل، ولكن أحدهما يرى توفر شروطه وانتفاء موانعه، والآخر يرى أن الشروط لم تتوفر أو توفرت ولكن قام المانع.
وغنيٌ عن البيان أن أقدر الناس على الاجتهاد في تحرير الواقع ومعرفته، هم أهل هذا الواقع الذين يباشرونه بكل تفاصيله، فأهل مكة أدرى بشعابها، فلا يصح أن يتقدم آفاقيٌ عليهم يزعم أنه يهديهم الطريق، كما نرى من بعض العلماء وطلاب العلم من خارج مصر ممن يُخطأ ويُصوب وهو غائب عن مصر وواقع مصر بمعطياته الكاملة غائب عنه تمامًا.
وأخيرًا، فإن هذا الأصل عمدةٌ في كثير من المواقف في هذه الفترة الطارئة التي تمر بها البلاد، أردت أن أوضحه لكل منصف، حتى تطمئن القلوب إلى أن تغير موقف الدعوة من بعض القضايا ليس تنازلًا ولا تحولًا عن منهجها السلفي النقي، وإنما هو سيرٌ على نهج الأئمة في الاجتهاد الصحيح الذي يحيط الامر من كل جوانبه.
نسأل الله الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كنبه
أبوحفص أحمد عبد السلام السكندري