الْجَنَّةَ وَيُجِرْنَا مِنْ النَّارِ ؛ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَغَيْرُهَا فِي الصِّحَاحِ ؛ وَقَدْ تَلَقَّاهَا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ ؛ وَاتَّفَقَ عَلَيْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ؛ وَإِنَّمَا يُكَذِّبُ بِهَا أَوْ يُحَرِّفُهَا"الجهمية"وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِرُؤْيَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُمْ الْمُعَطِّلَةُ شِرَارُ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ . وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ بَيْنَ تَكْذِيبِ هَؤُلَاءِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآخِرَةِ ؛ وَبَيْنَ تَصْدِيقِ الْغَالِيَةِ ؛ بِأَنَّهُ يُرَى بِالْعُيُونِ فِي الدُّنْيَا وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ . وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَرَاهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ فِي الدُّنْيَا هُمْ ضُلَّالٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ: إمَّا بَعْضُ الصَّالِحِينَ أَوْ بَعْضُ المردان أَوْ بَعْضُ الْمُلُوكِ أَوْ غَيْرِهِمْ عَظُمَ ضَلَالُهُمْ وَكُفْرُهُمْ وَكَانُوا حِينَئِذٍ أَضَلَّ مِنْ النَّصَارَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ فِي صُورَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . بَلْ هُمْ أَضَلُّ مِنْ أَتْبَاعِ الدَّجَّالِ الَّذِي يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَيَقُولُ لِلنَّاسِ أَنَا رَبُّكُمْ وَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ وَيَقُولُ لِلْخَرِبَةِ: أَخْرِجِي كُنُوزَك فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ . وَقَالَ: { مَا مِنْ خَلْقِ آدَمَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فِتْنَةٌ أَعْظَمَ مِنْ الدَّجَّالِ } وَقَالَ: { إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ } . فَهَذَا ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَأَتَى بِشُبُهَاتِ فَتَنَ بِهَا الْخَلْقَ حَتَّى قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ } فَذَكَرَ لَهُمْ عَلَامَتَيْنِ ظَاهِرَتَيْنِ يَعْرِفُهُمَا جَمِيعُ النَّاسِ ؛ لِعِلْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَضِلُّ فَيُجَوِّزُ أَنْ يَرَى رَبَّهُ فِي الدُّنْيَا فِي صُورَةِ الْبَشَرِ كَهَؤُلَاءِ الضُّلَّالِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ قَدْ يُسَمَّوْنَ"الْحُلُولِيَّةَ"وَ"الِاتِّحَادِيَّةَ". وَهُمْ صِنْفَانِ: -"قَوْمٌ"يَخُصُّونَهُ بِالْحُلُولِ أَوْ الِاتِّحَادِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ . كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْغَالِيَةُ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَحْوِهِ ؛ وَقَوْمٌ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَقَوْمٌ فِي بَعْضِ الْمُلُوكِ وَقَوْمٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الَّتِي هِيَ شَرٌّ مِنْ مَقَالَةِ النَّصَارَى . وَ"صِنْفٌ"يَعُمُّونَ فَيَقُولُونَ بِحُلُولِهِ أَوْ اتِّحَادِهِ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ - حَتَّى الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ وَالنَّجَاسَاتِ وَغَيْرِهَا - كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الجهمية وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ: كَأَصْحَابِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَابْنِ سَبْعِينَ وَابْنِ الْفَارِضِ وَالتِّلْمِسَانِيّ والبلياني وَغَيْرِهِمْ". وَمَذْهَبُ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْعَالَمِينَ وَرَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ؛ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَالْخَلْقُ جَمِيعُهُمْ عِبَادُهُ وَهُمْ فُقَرَاءُ إلَيْهِ . وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ ؛ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا"