حَقَّهُمْ وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ . وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تَرَكُوا الْبِدَعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْقُبُورِ كَقَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ وَقَبْرِ غَيْرِهِ لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَلِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْثَانًا . وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَأْتِي مِنْ خَارِجٍ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ . بَلْ كَانُوا فِي حَيَاتِهِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا يَأْتُونَ إلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَإِذَا جَاءَ أَحَدُهُمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامَ . وَكَذَلِكَ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَكَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى عَائِشَةَ فَكَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ كَمَا كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . وَقَدْ جَاءَ هَذَا عَامًّا فِي جَمِيعِ قُبُورِ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا رَدَّ اللَّهُ رُوحَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ . فَإِذَا كَانَ رَدُّ السَّلَامِ مَوْجُودًا فِي عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ فِي أَفْضَلِ الْخَلْقِ أَوْلَى . وَإِذَا سَلَّمَ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ لَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ عَشْرًا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ مَرَّةً سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا } . فَاَللَّهُ يَجْزِيهِ عَلَى هَذَا السَّلَامِ أَفْضَلَ مِمَّا يَحْصُلُ بِالرَّدِّ كَمَا أَنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ . لَا يَقِفُ لَا لِدُعَاءِ لَهُ وَلَا لِنَفْسِهِ . وَلِهَذَا كَرِهَ مَالِكٌ مَا زَادَ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وُقُوفٍ لَهُ أَوْ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ بِدْعَةً مَحْضَةً . قَالَ مَالِكٌ: لَنْ يُصْلِحَ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا . مَعَ أَنَّ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ إذَا لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَهُ سَائِرُ الصَّحَابَةِ إنَّمَا يَصْلُحُ لِلتَّسْوِيغِ كَأَمْثَالِ ذَلِكَ فِيمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَوْ مُبَاحٌ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ فَالْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّحْرِيمُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مَرْجِعُهَا كُلُّهَا إلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ . فَالْقُرْآنُ هُوَ الَّذِي بَلَّغَهُ . وَالسُّنَّةُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهَا . وَالْإِجْمَاعُ بِقَوْلِهِ عُرِفَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ . وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْفَرْعَ مِثْلَ الْأَصْلِ وَأَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ . وَقَدْ عَلَّمَنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَنَاقَضُ فَلَا يَحْكُمُ فِي الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِحُكْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ وَلَا يَحْكُمُ بِالْحُكْمِ لِعِلَّةِ تَارَةً وَيَمْنَعُهُ أُخْرَى مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ إلَّا لِاخْتِصَاصِ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ بِمَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ . فَشَرْعُهُ هُوَ مَا شَرَعَهُ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتُهُ مَا سَنَّهَا هُوَ لَا يُضَافُ إلَيْهِ قَوْلُ غَيْرِهِ وَفِعْلُهُ - وَإِنْ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ - إذَا وَرَدَتْ سُنَّتُهُ . بَلْ وَلَا يُضَافُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلِ يَدُلُّ عَلَى الْإِضَافَةِ . وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ بِاجْتِهَادِهِمْ وَيَكُونُونَ مُصِيبِينَ مُوَافِقِينَ لِسُنَّتِهِ لَكِنْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَقُولُ فِي هَذَا بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ . فَإِنَّ كُلَّ مَا