فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 63

مَنْهِيٌّ عَنْهُ . وَكَرِهَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ هَذَا اللَّفْظَ . لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَأْتِ بِهِ فِي قَبْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ وُجُوهًا . وَرَخَّصَ غَيْرُهُ فِي هَذَا اللَّفْظِ لِلْأَحَادِيثِ الْعَامَّةِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ . وَمَالِكٌ يَسْتَحِبُّ مَا يَسْتَحِبُّهُ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ وَكَذَلِكَ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ عِنْدَ قُبُورِهِمْ اتِّبَاعًا لِابْنِ عُمَرَ . وَمَالِكٌ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى التَّابِعِينَ الَّذِينَ رَأَوْا الصَّحَابَةَ بِالْمَدِينَةِ . وَلِهَذَا كَانَ يَسْتَحِبُّ اتِّبَاعَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ . وَيَكْرَهُ أَنْ يَبْتَدِعَ أَحَدٌ هُنَاكَ بِدْعَةً . فَكَرِهَ أَنْ يُطِيلَ الرَّجُلُ الْقِيَامَ وَالدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَة كُلَّمَا دَخَلَ إنْسَانٌ الْمَسْجِدَ أَنْ يَأْتِيَ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: وَلَنْ يُصْلِحَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا . بَلْ كَانُوا يَأْتُونَ إلَى مَسْجِدِهِ فَيُصَلُّونَ فِيهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ صَلَّوْا أَئِمَّةً فِي مَسْجِدِهِ وَالْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ خَلْفَهُمْ كَمَا كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ وَهُمْ يَقُولُونَ فِي الصَّلَاةِ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ . ثُمَّ إذَا قَضَوْا الصَّلَاةَ قَعَدُوا أَوْ خَرَجُوا . وَلَمْ يَكُونُوا يَأْتُونَ الْقَبْرَ لِلسَّلَامِ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ وَهِيَ الْمَشْرُوعَةُ . وَأَمَّا دُخُولُهُمْ عِنْدَ قَبْرِهِ لِلصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ أَوْ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْرَعْهُ لَهُمْ بَلْ نَهَاهُمْ وَقَالَ: { لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي } فَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْبَعِيدِ وَكَذَلِكَ السَّلَامُ . وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا . وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مَرَّةً سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا . كَمَا قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ . وَتَخْصِيصُ الْحُجْرَةِ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ جَعَلَ لَهَا عِيدًا وَهُوَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ أَوْ قَبْرَ غَيْرِهِ مَسْجِدًا . وَلَعَنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَحْذَرُوا أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ غَيْرَهُمْ مِنْ اللَّعْنَةِ . وَكَانَ أَصْحَابُهُ خَيْرُ الْقُرُونِ وَهُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِسُنَّتِهِ وَأَطْوَعُ الْأُمَّةِ لِأَمْرِهِ . وَكَانُوا إذَا دَخَلُوا إلَى مَسْجِدِهِ لَا يَذْهَبُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَى قَبْرِهِ لَا مِنْ دَاخِلِ الْحُجْرَةِ وَلَا مِنْ خَارِجِهَا . وَكَانَتْ الْحُجْرَةُ فِي زَمَانِهِمْ يُدْخَلُ إلَيْهَا مِنْ الْبَابِ إذْ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِيهَا . وَبَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ بُنِيَ الْحَائِطُ الْآخَرُ . وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْوُصُولِ إلَى قَبْرِهِ لَا يَدْخُلُونَ إلَيْهِ ؛ لَا لِسَلَامِ وَلَا لِصَلَاةِ عَلَيْهِ وَلَا لِدُعَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِسُؤَالِ عَنْ حَدِيثٍ أَوْ عِلْمٍ وَلَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتَّى يُسْمِعَهُمْ كَلَامًا أَوْ سَلَامًا فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ هُوَ كَلَّمَهُمْ وَأَفْتَاهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ الْأَحَادِيثَ أَوْ أَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ السَّلَامَ بِصَوْتِ يُسْمَعُ مِنْ خَارِجٍ كَمَا طَمِعَ الشَّيْطَانُ فِي غَيْرِهِمْ فَأَضَلَّهُمْ عِنْدَ قَبْرِهِ وَقَبْرِ غَيْرِهِ: حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَ الْقَبْرِ يُحَدِّثُهُمْ وَيُفْتِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فِي الظَّاهِرِ وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْقَبْرِ وَيَرَوْنَهُ خَارِجًا مِنْ الْقَبْرِ وَيَظُنُّونَ أَنَّ نَفْسَ أَبْدَانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت