فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 63

اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ السَّفَرَ إلَى الْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ - الْقُبُورِ وَغَيْرِهَا - عِنْدَ أَصْحَابِهِ كَالْحَجِّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين لَفْظًا وَمَعْنًى فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ مِنْ دُعَاءِ الْمَخْلُوقِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالتَّضَرُّعِ إلَيْهِ نَظِيرَ مَا يَقْصِدُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دُعَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالتَّضَرُّعِ إلَيْهِ ؛ لَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } وَهُمْ يُسَمُّونَ ذَلِكَ حَجًّا إلَيْهَا وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ مُتَقَدِّمِيهِمْ وَمُتَأَخِّرِيهِمْ . وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَالرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ يَحُجُّونَ إلَى الْمَشَاهِدِ وَقُبُورِ شُيُوخِهِمْ وَأَئِمَّتِهِمْ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ حَجًّا . وَيَقُولُ دَاعِيَتُهُمْ: السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَيُظْهِرُونَ عَلَمًا لِلْحَجِّ إلَيْهِ وَمَعَهُ مُنَادٍ يُنَادِي إلَيْهِ كَمَا يَرْفَعُ الْمُسْلِمُونَ عَلَمًا لِلْحَجِّ لَكِنَّ دَاعِيَ أَهْلِ الْبِدَعِ يُنَادِي: السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ الْأَكْبَرِ عَلَانِيَةً فِي مِثْلِ بَغْدَادَ يَعْنِي السَّفَرَ إلَى مَشْهَدٍ مِنْ الْمَشَاهِدِ فَيَجْعَلُونَ السَّفَرَ إلَى قَبْرِ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ هُوَ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ وَالْحَجَّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ الْأَصْغَرُ . وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَئِمَّتُهُمْ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ . وَمِنْ جُهَّالِ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: وَحَقُّ النَّبِيِّ الَّذِي تَحُجُّ الْمَطَايَا إلَيْهِ . فَلَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ الْمَخْلُوقَ وَيَحُجُّونَ إلَى قَبْرِهِ قَالَ تَعَالَى: { قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } { قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } { لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ } . وقَوْله تَعَالَى { وَنُسُكِي } قَدْ ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِهِ: الذَّبْحَ لِلَّهِ وَالْحَجَّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ . وَذَكَرُوا أَنَّ لَفْظَ النُّسُكِ يَتَنَاوَلُ الْعِبَادَةَ مُطْلَقًا . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الذَّبْحَ وَالْحَجَّ كِلَاهُمَا مَنْسَكٌ: قَالَ تَعَالَى: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ عَجَّلَهَا لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ } . وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } فَأَرَى اللَّهُ إبْرَاهِيمَ وَابْنَهُ إسْمَاعِيلَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي تُقْصَدُ فِي الْحَجِّ وَالْأَفْعَالَ الَّتِي تُفْعَلُ هُنَاكَ: كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ . وَالصَّلَاةُ تَتَنَاوَلُ الدُّعَاءَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ وَاَلَّذِي هُوَ بِمَعْنَى السُّؤَالِ . فَالصَّلَاةُ تَجْمَعُ هَذَا وَهَذَا قَالَ تَعَالَى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } فَقَدْ فُسِّرَ دُعَاؤُهُ بِسُؤَالِهِ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: { قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فَأَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ لِلَّهِ وَلَا تُبْنَى الْمَسَاجِدُ إلَّا لِلَّهِ ؛ لَا تُبْنَى عَلَى قَبْرِ مَخْلُوقٍ وَلَا مِنْ أَجْلِهِ وَلَا يُسَافَرُ إلَى بُيُوتِ الْمَخْلُوقِينَ . وَقَدْ نَهَى أَنْ يُحَجَّ وَيُسَافَرَ إلَى بُيُوتِ اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت