ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفرادًا وأزواجًا، وحكومات وشعوبًا، ودولًا وأجناسًا، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودة والشنآن، ولا تصرفها المصالح والأغراض، الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع" (5) ."
أما والله لو أخذناه بهذا الشمول، وبهذا الفهم - كما أخذه الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان - لصرنا كما صاروا؛ قادة للأمم، ولفتحنا به القلوب والآذان قبل فتح البلدان، ولَملكنا به الأرواح قبل الأبدان والأشباح:
الله أكبر إن دين محمد --- وكتابَه أقوى وأقومُ قيلا
طلعت به شمس الهداية للورى --- وأبى لها وصف الكمال أفولا
والحق أبلج في شريعته التي --- جمعتْ فروعًا للهدى وأصولا
لا تذكر الكُتْبَ السوالف عنده --- طلع الصباحُ فأطفئ القنديلا
ولئن تحدثنا عن الفِصام النَّكِد بين المطلوب والواقع مع هذا الكتاب الكريم؛ فإننا - ومن باب التحدث بنعمة الله - نرى في الساحة من وفقهم الله للبعد عن مشابهة أهل الكتاب، الذين لا يعرفون من كتابهم إلا التلاوة، ووُفِّقوا للسلامة من شكوى نبيهم صلى الله عليه وسلم لربه في هجر هذا الكتاب العظيم، نرى ذلك في فئام من الناس، أكثرهم من الشباب والفتيات الذين تربوا بالقرآن وعاشوا معه وبه؛ فصاروا - ولا زالوا - أمل الأمة المشرق، في المساهمة في إعادة مجدها السليب وعزها المفقود، وهم - بتخرجهم من بيوت الله تعالى - أنوارٌ تسطع للأمة وتشع بالخير والإحسان؛ يحيون الثقة بتلك الطريقة الصحيحة في تربية أبناء المسلمين، التي تنطلق من المساجد، إذ:
لا يُصنع الأبطال إلا --- في مساجدنا الفِساح
في روضة القرآن في --- ظل الأحاديث الصحاح
شعبٌ بغير عقيدة --- ورق تذرِّيه الرياح