حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةَ الْمَسْمُوعَةَ حَقٌّ . وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ مَنْشَأُ غَلَطِ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ غَلَطُهُمْ فِي الْحَرَكَةِ وَالْحُدُوثِ وَمُسَمَّى ذَلِكَ . فَطَائِفَةٌ - كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ - قَالَتْ: لَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْحَرَكَةِ وَالزَّمَانِ وَالْحَوَادِثِ حَادِثًا ؛ وَأَنْ يَكُونَ مَبْدَأَ كُلِّ حَرَكَةٍ وَحَادِثٍ صَارَ فَاعِلًا لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ حَادِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا مَعَ أَنَّ قَبْلَ وَبَعْدَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي زَمَانٍ وَهَذِهِ الْقَضَايَا كُلُّهَا إنَّمَا تَصْدُقُ كُلِّيَّةً لَا تَصْدُقُ مُعَيَّنَةً ثُمَّ ظَنُّوا أَنَّ الْحَرَكَةَ الْمُعَيَّنَةَ وَهِيَ حَرَكَةُ الْفَلَكِ هِيَ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ وَزَمَانُهَا قَدِيمٌ فَضَلُّوا ضَلَالًا مُبِينًا مُخَالِفًا لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين . وَطَائِفَةٌ ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جِنْسَ الْحَرَكَةِ وَالْحَوَادِثِ وَالْفِعْلِ إلَّا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ الْجَمِيعِ لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلًا ثُمَّ حَدَثَتْ الْحَوَادِثُ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا وَانْتَقَلَ الْفِعْلُ مِنْ الِامْتِنَاعِ إلَى الْإِمْكَانِ بِلَا سَبَبٍ وَصَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ بِلَا سَبَبٍ وَكَانَ الشَّيْءُ بَعْدَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِ زَمَانٍ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ . وَهُمْ يَظُنُّونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مَنْقُولًا عَنْ مُوسَى ؛ وَلَا عِيسَى ؛ وَلَا مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ ؛ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِمْ إنَّمَا هُوَ مِمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَانْتَشَرَ عِنْدَ الْجُهَّالِ بِحَقِيقَةِ أَقْوَالِ الرُّسُلِ وَأَصْحَابِهِمْ فَظَنُّوا أَنَّ هَذَا قَوْلُ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ وَصَارَ نِسْبَةُ هَذَا الْقَوْلِ إلَى الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ يُوجِبُ الْقَدْحَ فِيهِمْ: إمَّا بِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وَإِمَّا بِعَدَمِ بَيَانِ الْحَقِّ . وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُوجِبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنْ يَعْزِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَآثَارَ السَّلَفِ عَنْ الِاهْتِدَاءِ . وَإِنَّمَا ضَلُّوا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ . فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا .