فَجَاءَ دِينُ الْمَسِيحِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَبْطَلَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْكِ . وَلِهَذَا بَدَّلَ مَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ فَوَضَعَ دِينًا مُرَكَّبًا مِنْ دِينِ الْمُوَحِّدِينَ وَدِينِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ وَيُصَلُّونَ لَهَا وَيَسْجُدُونَ فَجَاءَ قُسْطَنْطِينُ مَلِكُ النَّصَارَى وَمَنْ اتَّبَعَهُ فَابْتَدَعُوا الصَّلَاةَ إلَى الْمَشْرِقِ وَجَعَلُوا السُّجُودَ إلَى الشَّمْسِ بَدَلًا عَنْ السُّجُودِ لَهَا وَكَانَ أُولَئِكَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ الْمُجَسَّدَةَ الَّتِي لَهَا ظِلٌّ فَجَاءَتْ النَّصَارَى وَصَوَّرَتْ تَمَاثِيلَ الْقَدَادِيسَ فِي الْكَنَائِسِ وَجَعَلُوا الصُّوَرَ الْمَرْقُومَةَ فِي الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ بَدَلَ الصُّوَرِ الْمُجَسَّدَةِ الْقَائِمَةِ بِأَنْفُسِهَا الَّتِي لَهَا ظِلٌّ . وَأَرِسْطُو كَانَ وَزِيرَ الْإِسْكَنْدَرِ بْنِ فيلبس الْمَقْدُونِيِّ - نِسْبَةً إلَى مَقْدُونِيَّةَ - وَهِيَ جَزِيرَةُ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْمَشَّائِينَ وَهِيَ الْيَوْمُ خَرَابٌ أَوْ غَمَرَهَا الْمَاءُ وَهُوَ الَّذِي يُؤَرِّخُ لَهُ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ التَّارِيخَ الرُّومِيَّ وَكَانَ قَبْلَ الْمَسِيحِ بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سُنَّةٍ فَيَظُنُّ مَنْ يُعَظِّمُ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةَ أَنَّهُ كَانَ وَزِيرًا لِذِي الْقَرْنَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ لِيُعَظِّمَ بِذَلِكَ قَدْرَهُ وَهَذَا جَهْلٌ ؛ فَإِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ قَبْلَ هَذَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا وَذُو الْقَرْنَيْنِ بَنَى سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهَذَا الْمَقْدُونِيُّ ذَهَبَ إلَى بِلَادِ فَارِسَ وَلَمْ يَصِلْ إلَى بِلَادِ الصِّينِ ؛ فَضْلًا عَنْ السَّدِّ . وَالْمَلَائِكَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَيْسُوا عَشَرَةً وَلَا تِسْعَةً وَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ أَحْيَاءُ نَاطِقُونَ يَنْزِلُونَ إلَى الْأَرْضِ وَيَصْعَدُونَ إلَى السَّمَاءِ . وَلَا يَفْعَلُونَ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ . كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } وَأَمْثَالُ هَذِهِ النُّصُوصِ . وَهَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ أَنَّ الْعُقُولَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَأَنَّ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ هُوَ رَبُّ كُلِّ مَا تَحْتَ هَذَا الْفَلَكِ وَالْعَقْلُ الْأَوَّلُ هُوَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَالْمَلَاحِدَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا مَعَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي عُبَيْدٍ: كَأَصْحَابِ رَسَائِلَ إخْوَانِ الصَّفَا وَغَيْرِهِمْ وَكَمَلَاحِدَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ: مِثْلِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَابْنِ سَبْعِينَ وَغَيْرِهِمَا يَحْتَجُّونَ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ:" { أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ } ". وَفِي كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ فِي"الْكُتُبِ الْمَضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا"وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي هَؤُلَاءِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ وَيُعَبِّرُ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ بِلَفْظِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ الْجِسْمُ وَالنَّفْسُ وَالْعَقْلُ . فَيَأْخُذُ هَؤُلَاءِ الْعِبَارَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ وَيُودِعُونَهَا مَعَانِيَ هَؤُلَاءِ وَتِلْكَ الْعِبَارَاتُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا سَمِعُوهَا قَبِلُوهَا ثُمَّ إذَا عَرَفُوا الْمَعَانِيَ الَّتِي قَصَدَهَا هَؤُلَاءِ ضَلَّ بِهَا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ هَذِهِ مَعَانِي هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَعَانِي الَّتِي عَنَاهَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِخْوَانُهُ الْمُرْسَلُونَ: مِثْلُ مُوسَى وَعِيسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَلِهَذَا ضَلَّ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِسَبَبِ هَذَا الِالْتِبَاسِ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِحَقِيقَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ حَتَّى يَضِلَّ بِهِمْ خَلْقٌ مِنْ