فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 134

الَّذِينَ جَعَلُوا هَذَا عُمْدَتَهُمْ فِي تَنْزِيهِ الرَّبِّ عَلَى نَفْيِ مُسَمَّى الْجِسْمِ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُنَزِّهُوهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ النَّقَائِصِ أَلْبَتَّةَ فَإِنَّهُمْ إذَا قَالُوا: هَذَا مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ فَكُلُّ مَا أَثْبَتُوهُ هُوَ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ مِثْلُ كَوْنِهِ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا بَلْ كَوْنِهِ مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ هَذَا فِي الشَّاهِدِ إلَّا جِسْمًا فَإِذَا قَالَ الْمُنَازِعُ: أَنَا أَقُولُ فِيمَا نَفَيْتُمُوهُ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ فِيمَا أَثْبَتُّمُوهُ انْقَطَعُوا . ثُمَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّبِّ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ عِنْدَهُمْ هَلْ عُلِمَ بِالْإِجْمَاعِ فَقَطْ أَوْ عُلِمَ بِالْعَقْلِ أَيْضًا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . فَمَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ كَأَبِي الْمَعَالِي والرازي وَغَيْرِهِمَا لَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يُنَزِّهُونَ بِهِ الرَّبَّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّقَائِصِ هَذَا إذَا لَمْ يَنْفِ إلَّا مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْ اللَّهِ مِثْلُ نَفْيِهِ لِلنَّقَائِصِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا وَيَنْفِي عَنْهُ مُمَاثَلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّهُ كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الثَّابِتَةِ لَهُ وَهَذَانِ النَّوْعَانِ يَجْمَعَانِ التَّنْزِيهَ الْوَاجِبَ لِلَّهِ و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } دَلَّتْ عَلَى النَّوْعَيْنِ . فَقَوْلُهُ: أَحَدٌ مَعَ قَوْلِهِ: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } يَنْفِي الْمُمَاثَلَةَ وَالْمُشَارَكَةَ وَقَوْلُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَالنَّقَائِصُ جِنْسُهَا مَنْفِيٌّ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْمَخْلُوقُ فَهُوَ مِنْ النَّقَائِصِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا بِخِلَافِ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ . وَيُوصَفُ الْعَبْدُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ: مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ نَقَائِصَ بَلْ مَا ثَبَتَ لِلَّهِ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلَّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُقَارِبُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ فِيهِ بَلْ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ لَا يُمَاثِلُ مَا خَلَقَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الِاسْمِ وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ . قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأَسْمَاءُ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ لَبَنًا وَخَمْرًا وَعَسَلًا وَمَاءً وَحَرِيرًا وَذَهَبًا وَفِضَّةً وَتِلْكَ الْحَقَائِقُ لَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ . فَالْخَالِقُ تَعَالَى أَبْعَدُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْمَخْلُوقِ إلَى الْمَخْلُوقِ . وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ عَلِيمًا حَلِيمًا رَءُوفًا رَحِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَزِيزًا مَلِكًا جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا . مُؤْمِنًا عَظِيمًا كَرِيمًا غَنِيًّا شَكُورًا . كَبِيرًا حَفِيظًا شَهِيدًا حَقًّا وَكِيلًا وَلَّيَا وَسَمَّى أَيْضًا بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَسَمَّى الْإِنْسَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَسَمَّى نَبِيَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ مَلِكًا وَبَعْضَهُمْ شَكُورًا وَبَعْضَهُمْ عَظِيمًا وَبَعْضَهُمْ حَلِيمًا وَعَلِيمًا وَسَائِرُ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَسْمَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ مُمَاثِلًا لِلْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت