فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 134

تُنْكِرُهُ وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ . وَلِهَذَا كَانَ الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقِينَ عَلَى اسْتِحَالَةِ بَعْضِ الْأَجْسَامِ إلَى بَعْضٍ كَاسْتِحَالَةِ الْعَذِرَةِ رَمَادًا وَالْخِنْزِيرِ مِلْحًا . ثُمَّ تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الِاسْتِحَالَةِ هَلْ تَطْهُرُ أَمْ لَا تَطْهُرُ ؟ وَالْقَائِلُونَ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ لَا تَسْتَحِيلُ الذَّوَاتُ عِنْدَهُمْ بَلْ تِلْكَ الْجَوَاهِرُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَوَّلِ هِيَ بِعَيْنِهَا فِي الثَّانِي وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ التَّرْكِيب وَلِهَذَا يَتَكَلَّمُ بِلَفْظِ التَّرْكِيبِ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ هَذَا التَّرْكِيبَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَيَقُولُ: إنَّ الْمَاءَ يُفَارِقُ غَيْرَهُ فِي التَّرْكِيبِ فَقَطْ . وَكَذَلِكَ الْقَائِلُونَ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ عِنْدَهُمْ إنَّا لَمْ نُشَاهِدْ قَطُّ إحْدَاثَ اللَّهِ تَعَالَى لِشَيْءٍ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا . وَأَنَّ جَمِيعَ مَا يَخْلُقُهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ وَالثِّمَارِ وَالْمَطَرِ وَالسَّحَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ جَمْعُ الْجَوَاهِرِ وَتَفْرِيقُهَا وَتَغْيِيرُ صِفَاتِهَا مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ لَا أَنَّهُ يُبْدِعُ شَيْئًا مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ الْقَائِمَةِ بِأَنْفُسِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ: هُوَ مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْجِسْمُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُسْتَلْزِمًا لِهَذَا الْمَعْنَى . ثُمَّ الْجِسْمُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْغِلَظُ نَفْسُهُ وَهُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ الْغَلِيظُ وَهُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ . فَنَقُولُ: هَذَا الثَّوْبُ لَهُ جِسْمٌ: أَيْ غِلَظٌ وَقَوْلُهُ: { وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَرَنَ الْجِسْمَ بِالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ . فَنَقُولُ الْمَعْنَى زَادَهُ بَسْطَةً فِي قَدْرِهِ فَجَعَلَ قَدْرَ بَدَنِهِ أَكْبَرَ مِنْ بَدَنِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الْجِسْمُ هُوَ الْقَدْرُ نَفْسُهُ لَا نَفْسَ الْمُقَدَّرِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } أَيْ صُوَرُهُمْ الْقَائِمَةُ بِأَبْدَانِهِمْ كَمَا تَقُولُ: أَعْجَبَنِي حُسْنُهُ وَجَمَالُهُ وَلَوْنُهُ وَبَهَاؤُهُ فَقَدْ يُرَادُ صِفَةُ الْأَبْدَانِ وَقَدْ يُرَادُ نَفْسُ الْأَبْدَانِ وَهُمْ إذَا قَالُوا: هَذَا أَجْسَمُ مِنْ هَذَا أَرَادُوا أَنَّهُ أَغْلَظُ وَأَعْظَمُ مِنْهُ أَمَّا كَوْنُهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْعِظَمَ وَالْغِلَظَ كَانَ لِزِيَادَةِ الْأَجْزَاءِ فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ إلَّا مَنْ أَخَذَ ذَلِكَ عَمَّنْ اعْتَقَدَهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ الَّذِي أُحْدِثَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِ التَّابِعِينَ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُعْرَفُ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ إلَّا فِي أَوَاخِرَ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ لَمَّا ظَهَرَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَالْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ ثُمَّ ظَهَرَ فِي الْمُعْتَزِلَةِ . فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ قَالَ: الْجِسْمُ هُوَ الْمُؤَلَّفُ الْمُرَكَّبُ وَاعْتَقَدَ أَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ فَقَدْ ادَّعَى مَعْنًى عَقْلِيًّا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ وَافَقَهُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ جَعَلَ لَفْظَ الْجِسْمِ فِي اصْطِلَاحِهِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي اللُّغَةِ فَقَدْ غَيَّرَ مَعْنَى اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَادَّعَى مَعْنًى عَقْلِيًّا فِيهِ نِزَاعٌ طَوِيلٌ وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ الشَّرْعِ مَا يُوَافِقُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ مَعْنَى اللَّفْظِ وَلَا مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمَعْنَى الْعَقْلِيِّ فَاللُّغَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ وَالشَّرْعُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ وَالْعَقْلُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتِ الْأَلْفَاظِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُجَرَّدِ وَذَلِكَ فِيهِ نِزَاعٌ طَوِيلٌ وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَ نَفْيُهُ عَنْ اللَّهِ لَا يَحْتَاجُ نَفْيُهُ إلَى مَا أَحْدَثَهُ هَذَا مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ وَلَا مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمَعْنَى الْعَقْلِيِّ بَلْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت