فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 134

( وَمَسْأَلَةُ تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَتَرْكِيبُهَا مِنْ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ قَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْكَلَامِ . وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ بِهَذَا تَارَةً وَبِهَذَا تَارَةً . وَأَكْثَرُ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمَعَانِي الْمُتَشَابِهَةِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَجْسَامَ لَيْسَتْ مُتَمَاثِلَةً وَلَا مُرَكَّبَةً لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِعَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ قَوْلَهُ: إنَّ اللَّهَ جِسْمٌ وَيُنَاظِرُ عَلَى الْمَعْنَى الصَّحِيحِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بَلْ يَكْفِيهِ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالْعِبَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ وَأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِعَ النَّفْيَ بِهَذَا الِاسْمِ وَيُنَاظِرَ عَلَى مَعْنَاهُ الَّذِي اعْتَقَدَهُ بِعَقْلِهِ ؛ بَلْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَعْلُومُ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ يُمْكِنُ إظْهَارُهُ بِعِبَارَةٍ لَا إجْمَالَ فِيهَا وَلَا تَلْبِيسَ وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ يَدَّعِي كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ يَقُولُونَ هَذَا أَجْسَمُ مِنْ هَذَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ أَكْثَرُ أَجْزَاءً مِنْهُ . وَيَقُولُونَ: هَذَا جَسِيمٌ أَيْ كَثِيرُ الْأَجْزَاءِ . قَالَ: وَالتَّفْضِيلُ بِصِيغَةِ أَفْعَلَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَإِذَا قِيلَ: هَذَا أَعْلَمُ وَأَحْلَمُ كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى الْفَضِيلَةِ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ فَلَمَّا قَالُوا: أَجْسَمَ لِمَا كَانَ أَكْثَرَ أَجْزَاءً دَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْجِسْمِ عِنْدَهُمْ الْمُرَادُ بِهِ الْمُرَكَّبُ فَمَنْ قَالَ جِسْمٌ وَلَيْسَ بِمُرَكَّبِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ لُغَةِ الْعَرَبِ . قَالُوا: وَهَذِهِ تخليطة فِي اللَّفْظِ وَإِنْ كُنَّا لَا نُكَفِّرُهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ خَصَائِصُ الْجِسْمِ مِنْ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ وَقَدْ نَازَعَهُمْ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا أَجْسَمُ مِنْ هَذَا وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ كَمَا يُحْكَى عَنْ أَبِي زَيْدٍ فَيُقَالُ لَهُ: لَا رَيْبَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ هَذَا جَسِيمٌ أَيْ عَظِيمُ الْجُثَّةِ . وَهَذَا أَجْسَمُ مِنْ هَذَا أَيْ أَعْظَمُ جُثَّةً لَكِنَّ كَوْنَ الْعَرَبِ تَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْأَجْزَاءِ الَّتِي هِيَ الْجَوَاهِرُ الْفَرْدَةُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَاطِبَةً يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ وَالْجَوْهَرُ الْفَرْدُ هُوَ شَيْءٌ قَدْ بَلَغَ مِنْ الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ يَمِينُهُ مِنْ يَسَارِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَكْثَرَ الْعُقَلَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ لَا يَتَصَوَّرُ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ وَاَلَّذِينَ يَتَصَوَّرُونَهُ أَكْثَرُهُمْ لَا يُثْبِتُونَهُ وَاَلَّذِينَ أَثْبَتُوهُ إنَّمَا يُثْبِتُونَهُ بِطُرُقٍ خَفِيَّةٍ طَوِيلَةٍ بَعِيدَةٍ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الشَّائِعُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا خَوَاصُّهَا وَعَوَامُّهَا أَرَادُوا بِهِ هَذَا . وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ لَمْ يَنْطِقُ بِإِثْبَاتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَلَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ بَلْ وَلَا الْعَرَبُ قَبْلَهُمْ وَلَا سَائِرُ الْأُمَمِ الْبَاقِينَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَا أَتْبَاعُ الرُّسُلِ فَكَيْفَ يُدَعَّى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا لَفْظَ جِسْمٍ إلَّا لِمَا كَانَ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا وَلَوْ قُلْت لِمَنْ شِئْت مِنْ الْعَرَبِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالسَّمَاءُ مُرَكَّبٌ عِنْدَك مِنْ أَجْزَاءٍ صِغَارٍ كُلٌّ مِنْهَا لَا يَقْبَلُ التجزي أَوْ الْجِبَالُ أَوْ الْهَوَاءُ أَوْ الْحَيَوَانُ أَوْ النَّبَاتُ لَمْ يَتَصَوَّرْ هَذَا الْمَعْنَى إلَّا بَعْدَ كُلْفَةٍ ثُمَّ إذَا تَصَوَّرَهُ قَدْ يُكَذِّبُهُ بِفِطْرَتِهِ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ يُنْكِرُونَ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ فَالْفُقَهَاءُ قَاطِبَةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت