الصفحة 68 من 128

رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (الاحقاف: 24) ، ففي آية المائدة وصف (هديًا) بـ (بالغ الكعبة) ، وفي آية الأحقاف وصف (عارضًا) بـ (مستقبل أوديتهم) ، ووصف (عارضٌ) بـ (ممطرنا) ، وفي كلٍّ تخالفٌ، فالموصوفُ نكرةٌ، وَوَصفُهُ مضافٌ إلى معرفةٍ.

وليس هناك مشكلٌ، فحقيقةُ الإضافة في (بالغَ الكعبةِ) و (مستقبلَ أوديتهم) و (ممطرنا) ، لفظيةٌ، أي جِئِ بها لتخفيف اللفظ ليس إلا، فبدل أن يقول: (بالغًا الكعبةَ) و (مستقبلًا أوديتَهَم) و (ممطرٌ لنا) ، قال: (بالغَ الكعبةِ) ، و (مستقبلَ أوديتهم) و (ممطرنا) ، وهذا أخفُّ في اللفظ طبعًا، فالإضافة هنا لا تفيد تعريفًا للمضاف ولا تخصيصًا، ولذلك جاز وصف النكرة بما اُضِيف إلى المعرفة.

يقول سيبويه:"وليس يُغيرُ كفُّ التنوين إذا حذفتَهَ مستخفًا شيئًا من المعنى، ولا يجعله معرفةً، فمن ذلك: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ، ... ، ويزيد عندك هذا بيانًا قولُه تعالى جدُّهُ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، و: {عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} ، فلو لمْ يكنْ هذا في معنى النكرة والتنوين، لمْ تُوصفْ به النكرةُ"1.

ويقول المبردُ:"ألا ترى أنَّ الاسم المضاف إلى معرفةٍ على نية التنوين، لا يكون إلا نكرةً؛ لأنَّ التنوين في النية، نحو قوله عزَّ وجلَّ: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} و {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، وهو وصفٌ للنكرةِ" [1] .

وجاء في جامع البيان:"وأمَّا قوله: {هَدْيًا} ، فإنه مصدرٌ على الحال من الهاء التي في قوله: {يَحْكُمُ بِهِ} ، وقوله: {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، من نعت الهدي وصفته؛ وإنما جاز إن يُنعت به وهو مضافٌ إلى معرفةٍ؛ لأنه في معنى النكرة؛ وذلك أنَّ معنى: {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، يبلغ الكعبة، فهو وإن كان مضافًا، فمعناه التنوين؛ لأنَّهُ بمعنى الإستقبال، وهو نظير قوله: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} ، فوصف بقوله: {مُمْطِرُنَا} {عَارِضًا} ، لأنَّ في {مُمْطِرُنَا} "

(1) 1 الكتاب، 1/ 166، والآية الأُولى من: (آل عمران /185) و (الأنبياء / 35) و (العنكبوت / 57)

المقتضب، 3/ 227، وينظر: 4/ 149 - 150 من المصدر نفسه، ومغني اللبيب، 663 - 664، وشرح ابن عقيل، 2/ 45 - 46، وشرح الأشموني، 2/ 240 - 241

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت