أولًا: (وجود الفاصل بين الفعل وفاعله الظاهر الحقيقي التأنيث) .
يقول سيبويه:"وكلما طال الكلامُ فهو أحسن، نحو قولك: (حَضَرَ القاضيَ امرأةٌ) ، لأنه إذا طال الكلامُ كان الحذفُ أجمل، وكأنه شيءٌ يصيرُ بدلًا من شيءٍ، كالمعاقبة، نحو قولك: (زنادقةٌ) و (زناديقٌ) ، فتحذف الياءَ لمكان الهاءِ" [1] ، ويقول جرير:
لَقَد وَلَدَ الأُخَيطِلَ أُمُّ سَوْءٍ ... عَلى بَابِ اُستِهَا صُلُبٌ وشَامُ، [2]
فالفاعلُ حقيقي ولم يؤنث لأجله فعلُهُ، وذلك بسبب الفصل بينهما بالمفعول به.
ويقول المبرد:"ألا ترى أن النحويين لا يقولون: (قامَ هندٌ) و (ذهبَ جاريتُكَ) ، ويجيزون: (حَضَرَ القاضيَ اليومَ امرأةٌ يا فتى) ، فيجيزون الحذفَ مع طول الكلام؛ لأنهم يرون ما زاد عوضا مما حُذفَ" [3]
إن إثبات التاء هنا أحسن وأجود"وقيل واجبٌ" [4] ، وبه جاء التنزيلُ، قال تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} (القصص: 25) وقال تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا} (الاحقاف: 15) ، حيثُ فُصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به، واُثبتتِ التاءُ.
أما (الفاعل الظاهر المجازي التأنيث المفصول عن فعله) فقد ورد في القرآن الكريم وعامله مجردٌ من علامة التأنيث في مواطن، وفي غيرها ألحقت به العلامة، يقول سيبويه:"ومما جاء من الموات قد حُذفت فيهِ التاءُ، قولُه عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} ، وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ، وهذا النحو كثيرٌ في القرآن" [5] .
وقد قيل إنَّ الأجودَ حذفُ العلامةِ"إظهارًا لفضل الحقيقي على غيره" [6] ، وليس بسديد؛ لأنَّ الاستعمالَ يشهدُ بخلاف ذلك، فمواطن تأنيث الفعل مع الفاعل المجازي التأنيث المفصول عن عامله، أكثرُ بكثير من تذكير الفعل مع هذا النوع من الفاعل. [7]
(1) الكتاب، 2/ 38.
(2) البيت من قصيدة له يهجو بها الأخطل، و (شام) جمع شامة، ينظر: ديوانه، 1/ 283، وينظر: صدره في المقتضب، 2/ 148، وبتمامه في التكملة، 294، والخصائص، 2/ 414، وشرح المفصل، 5/ 92.
(3) المقتضب، 2/ 338، وينظر: التكملة، 294.
(4) حاشية الصبان، 2/ 52.
(5) الكتاب، 2/ 39، والآيتان من: (البقرة /275) ، (آل عمران / 105) .
(6) ينظر: حاشية الصبان، 2/ 52.
(7) ينظر: دراسات لأُسلوب القرآن الكريم، 8/ 462 - 466، و 8/ 469 - 470.