فقد نصبَ الفعلَ المضارعَ (يَعْلَم) بعدَ أداةِ الجزمِ (لم) ، فأخطأ نحويًّا لحسابِ الوزنِ، وسلامةِ البيت عروضيًّا.
وعلى الرغم من التصريح بـ (أغلاطِ الشعراءِ) [1] ، وأنهم يَخرجون على سَمْتِ اللغة، كان النحويون - كما أشرتُ - يعتدُّون بأشعارِهم، ويُسلِّمون بِما يُروَى لَهم منها، ويُجهِدون أنفسَهم، ويتصنَّعون ما أمكنَهم لتخريجِ البيتِ ذي الغلَط على جهةٍ نحوية أو لغويةٍ صحيحة.
قال أبو عبدِ الله محمد بنُ شرف القيروانيُّ: (( من عيوبِ الشعرِ اللحْنُ الذي لا تسَعُه فسحةُ العربيةِ كقولِ جرير [2] :
ولَوْ وَلَدَتْ لِعَنْزَةَ جِرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ - بِذَلكَ الجِرْوِ - الكِلابا
فنصَبَ (الكِلاب) بغيرِ ناصبٍ [وحقُّه الرفعُ لأنه مسندٌ إليه الفعلُ (سُبَّ) ] وقد تحيَّل له بعضُ النحويين بكلامٍ كالضَّريعِ، لا يُسمِنُ ولا يُغني من جُوع )) [3] .
وفي هذا الشأنِ قال ابنُ فارسٍ: (( ولا معنى لقولِ من يقولُ: إنَّ للشاعرِ عندَ الضرورةِ أنْ يأتيَ في شعرِه بِما لا يَجوز .... وما جعل اللهُ الشعراءَ معصومين يُوَقَّونَ الخطأَ والغلَطَ. فما صحَّ من شعرِهم فمقبولٌ، وما أبَتْه العربيةُ وأصولُها فمردود ) ) [4] .
3 -اعتمادُ الشعرِ مصدرًا مُقدَّمًا على القرآنِ الكريم، لوضْعِ قواعدِ النحوِ، دونَما فصْلٍ بينَ المصدرَين، أو المستويَين المتفاوتَين لوضعِ القواعدِ من كلٍّ منهما بشكلٍ منفصِلٍ في أقَلِّ تقدير.
ولا شكَّ في أنَّ كتابَ سيبويه خيرُ شاهدٍ على هذا الاعتمادِ الكبير. فقد استشهدَ بـ (410) عشرٍ وأربعمئةِ آيةٍ قرآنيةٍ فقط على ضوابطِ اللغةِ والنحو، في حين استشهدَ بـ (1050) ألفٍ وخمسين بيتًا من الشعر على ذلك [5] . وعلى الرغم من تقارب العدد في كتاب (المقتضب) فقد استشهد المبردُ بـ (621) احدى وعشرين وستمئةِ آيةٍ على تلك الضوابطِ، في حين كان استشهادُه عليها من الشعر بـ (741)
(1) ينظر: الوساطة بين المتنبي وخصومه 4. والمزهر494:2 - 505.
(2) وهو في ديوانه: ... ولَو وَلَدَتْ قُفَيرةُ جِرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بذلكَ الجِرْوِ الكِلابا
شرح ديوان جرير، عبد الله اسماعيل الصاوي75.
(3) أعلام الكلام37. وينظر: دراسات في فقه اللغة131 - 133.
(4) الصاحبي في فقه اللغة، تح: أحمد صقر275.
(5) ينظر: الكتاب (مقدمة المحقق عبد السلام هارون) 18:1 - 19. وخزانة الأدب5:1. وكتاب سيبويه وشروحه، د. خديجة الحديثي113 و118. والرواية والاستشهاد باللغة، د. محمد عيد123. ونحو القرآن75.