الصفحة 145 من 197

لَم أرَ كتابًا تناول تاريخ النحو العربي، وأبواب هذا النحو وموضوعاته بتفريعاتِها، أو تناول مسألة العلة والعمل، إلا وأسهب في الحديثِ عن اعتماد النحويين الشعرَ العربيَّ اعتمادًا لا نظيرَ له في شواهدِهم، وبناءِ قواعدِهم. وقد خلص الأمرُ من مجموع تلك الكتبِ التي تناولت هذه المسألةَ إلى الثوابتِ الرئيسةِ الآتية:

1 -لا يُمكن اعتمادُ الشعرِ مصدرًا رئيسًا في استخلاص قواعد لغةٍ ما، لِما فيه من ضوابطَ وضرائرَ تكونُ هي الأَوْلى بالاعتمادِ على حساب القاعدةِ النحوية. فالشعرُ (( موضعُ اضطرارٍ وموقفُ اعتذارٍ. وكثيرًا ما يُحرَّفُ فيه الكلمُ عن مواضعِه، وتُحال المُثُل عنِ أوضاعِ صيغِها لأجله ) ) [1] . وقد كان النحويون على علمٍ بأنَّ (( ما جاءَ لضرورةِ شعرٍ، أو إقامةِ وزنٍ أو قافيةٍ فلا حجةَ فيه ) ) [2] . وهذا أمر يؤكِّدُ وجوبَ الفصلِ بين الشعر والنثر في الدراسةِ النحويةِ، وعدمَ خلْطِ مستوياتِ الدراسةِ، وتناولِ الآيةِ القرآنية في ضوءِ القاعدةِ النحويةِ المستخلَصَةِ من بيتٍ شعريًّ، كما سيأتي.

2 -الشاعرُ إنسانٌ مخلوقٌ. لذا فهو ليس معصومًا عن الغلَطِ والخطأ، ما لم يعصمْهُ اللهُ تعالى. وبالتالي ففي الشعرِ ما يخرج عن سَمْتِ اللغةِ وطرقِ نَظمِها وسَلامةِ ضوابطِها. إلاَّ أنَّ النحويين يسوِّغون (أغلاط الشعراءِ وأخطاءَهم) بحجةِ أنهم أمراءُ الكلامِ [3] ، نحو قولِ الفرزدق [4] :

وعَضُّ زمَانٍ يا ابنَ مَروانَ لم يَدَعْ ... مِنَ المالِ إلاَّ مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ

فقد أخطأ برفعِه كلمةَ (مُجَلَّفُ) إجراءً للقافيةِ المضمومةِ، على حسابِ الضابطِ النحويِّ، وطرقِ التعبير السليمة. ونحو قول مساور العبسيِّ [5] :

يَحْسَبُهُ الجَاهِلُ ما لم يَعْلَمَا ... شَيخًا علَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا

(1) الخصائص188:3. وينظر: في الضرورات الشعرية5 - 12.

(2) الإنصاف628:2 [مسألة 78] . وينظر: الكامل في اللغة والأدب150:1. والتفسير الكبير193:3. وشرح شواهد مجمع البيان، محمد حسين القزويني، تح: السيد كاظم الموسوي64:1. والمواهب الفتحية في علوم اللغة العربية، الشيخ حمزة فتح الله، تح: د. محمود ابراهيم39:1. والعربية والتحديث، د. محمد عبد المطلب البكاء85.

(3) ينظر: توجيه إعراب أبيات ملغزة الإعراب، الرماني، تح: سعيد الأفغاني143. ونزهة الألباء في طبقات الأدباء، أبو البركات الأنباري، تح: د. ابراهيم السامرائي27 - 28. والوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي الجرجاني، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم ورفيقه4. ونحو التيسير47 - 50.

(4) لم أجده في ديوانه.

(5) ينظر: الكتاب516:3 (ط/ د. عبد السلام هارون) . وخزانة الأدب409:11و411. وفي الضرورات الشعرية66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت