إنَّ دلالةَ قولِه تعالى: [وَظِلُّهَا] تُفيدُ - واللهُ أعلمُ بِمراده - ما تطمئِنُّ إليه النفسُ وتطيبُ. فالظِّلُّ يبعثُ الراحةَ والنشوةَ في نفسِ المستظلِّ، فكيف به وهو ظِلُّ الجنةِ التي وُعِدَ المتقون. وفي الاكتفاءِ في هذه الجملةِ بالمبتدأ فقط (ظِلُّ) دلالةٌ فضفاضةٌ غايتُها - واللهُ أعلم - بعثُ هذا الاطمئنان وتلك الراحة. أما دلالةُ التقدير المزعومِ (وظلُّها دائمٌ) فتفيدُ أنَّ ثَمة حاجةً لازمةً لهذا التقدير مبعثُها استنكار دوام (الظِّلِّ) ، كما يُفادُ من استنكارِ دوامِ (الأُكُل) . وهذا ما لم يُرَد إليه، واللهُ أعلم.
إنَّ التماثلَ بين بعضِ نصوصِ القرآنِ، سواءٌ أكان في موضعَين، كلٌّ منهما في سورةٍ، أم في موضعٍ واحدٍ في آيةٍ واحدة - كما مرَّ - لا يعني أنَّ ما ذُكِرَ في هذا الموضعِ مرادٌ في الموضعِ الآخرِ الذي لم يَرِدْ فيه، أوِ الذي لم يُرَد ذِكْرُه البتة، واللهُ أعلم.
ففي كلِّ موضعٍ دلالةٌ مقصودةٌ بعينِها، ولا يصِحُّ - بوجهٍ - أنْ يُعدلَ بِها إلى فَهْمٍ آخرَ مغاير بحجةِ الثقةِ بفَهْمِ السامع - كما يُقالُ أحيانًا - فأيُّ ثقةٍ هذه التي يَمنحُها اللهُ تعالى للسامعِ على حسابِ ذِكْرِ ما يُزعَمُ أنه محذوفٌ في النصِّ، لو كانتِ الدَّلالةُ تقتضيه؟ أوَليس في ذِكرِه قصْدٌ مطلوبٌ، ومرادٌ بعينِه عندما يكونُ مذكورًا، كما في قولِه تعالى: [أُكُلُهَا دَائِمٌ] [الرعد/35] ؟ لذا فإنَّ في الاكتفاءِ في الجملة بركنٍ واحدٍ كما في قولِه تعالى: [وَظِلُّهَا] [الرعد/35] قصْدًا مطلوبًا ومرادًا بعينِه أيضًا لأنَّ نظمَ القرآنِ الكريم إنَّما يُساقُ لقصْدٍ محدَّدٍ لدلالةٍ مطلوبةٍ، لا أنه يُساقُ اعتباطًا فيُزعمُ فيه ما ليس فيه.
قال ابنُ القيِّم في قولِه تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ] [محمد/33] : (( وفي إعادةِ الفعلِ في قولِه تعالى: [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ] دونَ الاكتفاءِ بالفعلِ الأوَّل سرٌّ لطيفٌ، وفائدةٌ جليلةٌ .... وهو دلالتُه على أنَّ ما يأمرُ به رسولُه يجبُ طاعتُه فيه، وإن لَّم يكن مأمورًا به بعينِه في القرآن. طاعةُ الرسولِ مفردةٌ ومقرونةٌ. فلا يَتوهَّمُ مُتوهِّمٌ أنَّ ما يأمرُ به الرسولُ إن لَّم يكن في القرآنِ، وإلاَّ فلا تجبُ طاعةٌ فيه كما قال النبيُّ: {يوشِكُ رجلٌ شبعانُ متَّكِئٌ على أريكتِه يأتيهِ الأمرُ من أمري فيقولُ: بيننا وبينكم كتابُ الله تعالى، ما وجدنا فيه من شيءٍ اتَّبعناه. ألا وإنِّي أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه} ) ) [1] .
ب) الحمل على نظير في الشعر:
(1) الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه، تح: د. محمد جميل غازي38 - 40.