ومِما حُمِل على هذه العلةِ في التقديرِ قولُه تعالى: [مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا] [الرعد/35] . فقد قُدِّرَ للمبتدأ (ظِلُّ) خبرٌ زُعِم حذفُه، هو (دائمٌ) [1] ، أي: (وظلُّها دائمٌ) ، حمْلًا على الجملةِ المعطوفِ عليها (أُكُلُها دائمٌ) .
والراجحُ أنَّ (الأُكُل) يَحتاجُ إلى أنْ يوصَفَ بأنه (دائمٌ) ، ردًّا على كلِّ من يتوهَّمُ أنَّ (أُكُل الجنة) وثِمارَها - لأنها تؤكل - قد تنتهي أو تنقطعُ. فهو - أي (الأُكُل) - (( دائمٌ لأهلِها، لا ينقطعُ عنهم ولا يزول، ولا يبيد. ولكنه ثابتٌ على غير نِهاية ) ) [2] . فما يُتوهَّمُ عن أُكُل الدنيا وثِمارِها، لا يُمكنُ - بحالٍ- أنْ يجريَ على (أُكُلِ الجنة) ، لأنَّ (( ثِمارَها لا تنقطعُ كثمارِ الدنيا ) ) [3] . وقد ورد في الخبرِ أنه (( إذا أُخِذت ثَمرةٌ عادت مكانَها أُخرى ) ) [4] . وهذا ما يستدعي وصفَ هذا الأُكُلِ بالدوام، واللهُ أعلم.
أما (الظِّلُّ) فلا يُمكنُ أنْ يُتصوَّرَ، أو يُتوهَّمَ أنه ينقصُ أو يتناقصُ. فالجنةُ (( لا شمسَ فيها ) ) [5] والظِّلُّ هو الظِّلُّ، (( ولا يُقالُ: فيئُها، لأنَّ الشمسَ لا تُعاقبُ ظِلَّها، فيكونَ هناك فيءٌ ) ) [6] . لذا لا يصِحُّ وصفُه بأنه (دائمٌ) كما وُصِف (الأُكُلُ) ، لأنه لا يُؤخذُ منه شيءٌ، ولا ينسخُه شيءٌ. وما ذهبَ إليه الطاهر بن عاشور من أنَّ الظِّلَّ (دائمٌ) لأنَّ شجرَ الجنةِ لا (( تنفُذُ منه الشمسُ ) ) [7] ، لا يُقبلُ، لأنَّ الجنةَ لا شمسَ فيها، لقولِه تعالى: [وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا، مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأََرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا] [الانسان/12 - 13] .
وتجدُرُ الإشارةُ إلى أنَّ في قولِه تعالى: [وَظِلُّهَا] ، وقولِه تعالى: [لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا] دليلًا على الإحكامِ في القرآنِ، ومتانةِ التلازمِ في بنائِه. فلم يقُل: (وظلُّها دائم) كما قُدِّرَ، لأنَّ قولَ ذلك مع (عدمِ وجود الشمس فيها) إنما هو من فضولِ الكلام.
(1) ينظر: تفسير البغوي322:1. وشرح قطر الندى وبل الصدى، ابن هشام، تح محمد محيي الدين عبد الحميد125. ولسان العرب415:11 (ظلل) . والبرهان139:3.
(2) تفسير الطبري395:7.
(3) تفسير الواحدي574.
(4) تفسير القرطبي275:9.
(5) تفسير الطبري395:7. وفتح الباري، ابن حجر العسقلاني 324:6.
(6) تاج العروس425:7 (فصل [الظاء] المُشالة مع اللام) .
(7) التحرير والتنوير125:6.