الصفحة 142 من 197

فممَّن ذهب به هذا المذهبَ العكبريُّ، إذ قال: (( قوله تعالى: [وَالْحَافِظَاتِ] ، أي: الحافظات فروجَهن. وكذلك: [وَالذَّاكِرَاتِ] ، أي: والذاكراتِ اللهَ. وأغنى المفعول الأوَّلُ عن الإعادة ) ) [1] .

إنَّ ما يتجلَّى من دَلالة النصِّ وهو مكتَفٍ بـ (الحافظاتِ) ، دونَما ذِكْرٍ لـ (فروجهن) كما في قوله تعالى: [وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ] ، وكذلك وهو مكتَفٍ بـ (الذاكرات) ، دونَما ذكرٍ لـ (الله كثيرًا) كما في قوله تعالى: [وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا] ، هو غيرُ ما يذهبُ إليه المقدِّرون في هذا النصِّ بعلَّةِ الحمْلِ على النظيرِ المماثلِ، كما في مذهبِ العكبريِّ هنا.

قال الآلوسيُّ: (( وذِكْرُ الفروجِ متعلقًا للحِفْظِ لكونِها مركَّبَ الشهوةِ الغالبة، وذِكْرُ الاسمِ الجليلِ متعلقًا للذكر، لأنه الاسمُ الأعظمُ المُشعِرُ بِجميع الصفاتِ الجليلة ) ) [2] .

إنَّ في اكتفاءِ النصِّ بـ (الحافظات) واقتصارِه على هذه الصفةِ دونَما متعلَّقٍ مذكورٍ، له من الدَّلالاتِ الإيحائية والظلاليةِ ما ليس في عبارةِ التقدير المزعومة. فالصفةُ المطلوبُ تحققُها في المرأةِ لتنالَ مغفرةَ الله ورضوانَه هي كونُها (حافظةً) فقط، دونَما تحديدٍ لما تحفَظ. فالمرأةُ يجبُ أنْ تحفظَ جسمَها كلَّه وليس (فرجها) وحدَه ما يجبُ عليها حفظُه. فجسمُها كلُّه من ناصيتِها إلى أخْمصِ قدمِها محطُّ شهوةٍ ونظرٍ يتلذَّذُ به الناظرُ برَيب، وحتى كلامُها، وعذوبةُ صوتِها، وتحرُّكها، وحركاتُها، ونظراتُها، كلُّ ذلك مِما يُثير الشهوةَ. فعليها، إذًا، أنْ تحفظَ هذا كلَّه عنِ التلذُّذِ والتشهِّي، وأنْ تتصفَ بأنَّها (حافظة) ، وأنَّهنَّ (حافظات) بشكلٍ عامٍّ، لا خاص. بخلافِ الرجل الذي لا يُشكِّلُ جسمُه شهوةً، سوى ما هو محدَّدٌ بتخصيص النصُّ القرآنيُّ، والله أعلم.

وكذلك اكتفاءُ النصِّ بـ (الذاكرات) ، واقتصارُه على هذه الصفة دونَما متعلَّق مذكورٍ، له من الدلالات الإيحائية والظلاليةِ ما ليس في عبارةِ التقدير المزعومة. فالنساءُ بشكلٍ عامٍّ - كما في النص- لا يصِلْنَ إلى درجةِ الرجالِ في ذكر الله تعالى - في كل الأوضاع والأحوال- لذا خفَّف الله تعالى عليهن ولم يُثقِل، ولم يشترط، ولم يكلف ما ليس في الوسع، ورضِي باليسير من عبادِه، ولاسيما من النساء باليسير مِما يستطعن عليه من ذكره تعالى. وهذا في غايةِ الرحمةِ والعطف الإلهي، واللهُ أعلم.

(1) التبيان في إعراب القرآن193:2.وينظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي: أعماله ومنهجه، د. مهدي المخزومي249.

(2) روح المعاني22:22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت