الصفحة 141 من 197

واحدةٍ، وبـ (الأرضِ) ، بِمعنى: أنَّ المسابقةَ يَجبُ أنْ يتحدَّدَ فيها فائزونَ وخاسرونَ. ففيها تخصيصٌ - لا تعميمٌ إذًا - وقدِ استدعَى هذا التخصيصُ تحديدَ حالِ الجَنةِ بتشبيهِها بـ (سماءٍ) واحدةٍ، وبـ (الأرضٍ) .

2 -أنَّها السمواتُ والأرضُ، وذلكَ في قوله تعالى: [وَسَارِعُوا ... ] ، وأنَّ الجنةَ [لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ] أي: في جميعِ أحوالِهم من سَعةٍ وفقر. فلا يَمنعُهم مِن الإنفاقِ مانعٌ مهما كان، ولا يُخصِّصُ إنفاقَهم شيءٌ، ولـ [الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ] دونَما تحديدٍ لطبقةٍ من الناس يُكظَمُ عنهمُ الغيظُ ويُعفَى عنهم إن أخطؤُوا. بل هذا الكظْمُ، وهذا العفْوُ عامٌّ ومطلَقُ للكل، ولـ [الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ... ] وللذينَ [لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ] .

إنَّ الاتساعَ في بيانِ مَنْ أُعِدَّت لَهمُ الجنةُ في حالِ التسارعِ، لا التسابقِ، اقتضَى الاتساعَ بوصفِ الجنة - بشكلٍ أعمَّ وأكبرَ- ليس على جهةِ التشبيهِ الصَّريحِ بـ (سماءٍ) واحدةٍ، وبـ (الأرض) ، بل بأنَّ هذه الجنةَ هي (السمواتُ) وليسَ (السماء) ، وهي الأرضُ أيضًا. وقولُه تعالى: [وَسَارِعُوا ... ] عامٌّ لا يُحدِّدُ الأمرَ بـ (تسابق) كأنه في مضمارٍ بين مُتبارِين معينين، فهو يَعمُّ كلَّ إنسانٍ، ويُوجِّهُه إلى عملِ ما يُوجِبُ مغفرةَ اللهِ تعالى بشكلٍ دائمٍ، وفي كلِّ الأوقات.

يتحصَّلُ من هذا كلِّه أنَّ ذكْرَ حرفِ التشبيهِ والمَجرورِ بعدَه في قولِه تعالى: [وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأََرْضِ] قد لاءَم التحديدَ والتخصيصَ المستفادَ من دَلالةِ الآيةِ، فاقتضته هذه الدَّلالةُ. وأنَّ اكتفاءَ النصِّ بـ [وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ] دونَما ذِكْرٍ لذلكَ التحديدِ والتشبيهِ قد لاءَم العمومَ والاتساعَ المطلَقَ المستفادَ من دَلالةِ الآية، فاقتضته هذه الدلالةُ، واللهُ أعلم.

ومِمَّا حُمِلَ على هذه العلة أيضًا قوله تعالى: [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] [الأحزاب/35] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت