الصفحة 139 من 197

فلهذه الصلةِ، ولِهذه الدلالةِ كان القسَمُ بـ [السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ] [الطارق/1] لا بـ (رَبَّ السماءِ ... ) كما زعم ابنُ خالويه، فهذا التقديرُ يعدِلُ بِهذه الدلالةِ، فضلًا عن العلْمِ الثابتِ بأنَّ الله تعالى هو (ربُّ السماءِ وربُّ الطارق) .

أما قسَمُه تعالى: [فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ] [الذاريات/23] فجوابُه هو قولُه تعالى: [إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ] [الذاريات/23] . قال العلامةُ السبحانيُّ: (( الضميرُ في قولِه(إنَّهُ) يعودُ إلى الرزقِ والوعْدِ الواردَين في الآيةِ المتقدمةِ. قال سبحانه: [وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ] [الذاريات/22] ، والمرادُ من الوعْدِ هو الجنةُ. ثم قال: [إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ] [الذاريات/23] . وكما أن العلم بِهذا الأمرِ - أي النطْقِ - أمرٌ ملموسٌ لا شبهةَ فيه فهكذا الرزقُ والوعْدُ. من قبيلِ تشبيهِ المعقولِ بالمحسوس )) [1] . والرازق المحتاجُ إليه أبدًا هو الله تعالى وهو (رَبُّ السماءِ والأرضِ) ، وإنَّما يَطلُبُ الانسانُ رزقَه من ربِّه ليقتاتَ بِهذا الرزقِ على الأرضِ. والمثيبُ بالجنة (مَا تُوعَدُونَ) هو الله تعالى، رَبُّ السماءِ وهي مكانُ الرفعةِ، ورَبُّ الأرضِ وهي مكانُ العملِ والتكليفِ لنَيلِ الجزاءِ. فالسماءُ والأرضُ مكانانِ للعمَلِ القائمِ بالرزقِ، والإثابةِ المتمثلةِ بتحقُّقِ الوعْدِ والرازقُ المثيبُ هو الله تعالى ربُّ السماءِ والأرض.

وتجدُرُ الإشارةُ إلى أنَّ (( الكتابَ العزيزَ هو الأسوةُ للمسلمين عبرَ القرون. فإذا وردَ فيه الحِلْفُ من اللهِ سبحانه بغيرِ ذاتِه سبحانه من الجمادِ والنباتِ والانسانِ فيُستَكْشَفُ منه أنه أمرٌ سائغٌ لا يَمُتُّ إلى الشِّرْكِ بصلةٍ. وتصوُّرُ جوازِه للهِ سبحانه دونَ غيرِه أمرٌ غيرُ معقولٍ، فإنه لو كانَ حقيقةً الحِلْفُ بغيرِ اللهِ شرْكًا، فالخالقُ والمخلوقُ أمامَه سواءٌ ) ) [2] . لذا فقولُه (صلى الله عليه وآله وسلم) : {لا تَحلِفُوا إلاَّ بالله} إنَّما هو نَهْيٌ لِمَنْ حَلَفَ بآبائِه، كما صرَّح به (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولِه: (( لا تَحلِفُوا بآبائِكُم ولا بأمَّهاتِكُم ولا بالأنداد ) ) [3] ، وهم الآباءُ الكافرون (( الذين كانوا يعبُدون الأندادَ والطواغيتَ، فأينَ هو من حِلْفِ المسلِمِ بالكعبةِ، والقرآنِ، والأنبياءِ، والأولياءِ ) ) [4] . والأمرُ لنا نحن المخلوقين، لا للهِ تعالى.

(1) نفسه42.

(2) نفسه17.

(3) سنن النسائي9:7.

(4) الأقسام في القرآن16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت