والحقيقةُ أنَّ الأمرَ ليس كما ذهبَ إليه ابنُ خالويه - رحمه الله تعالى - فالمقسِمُ بـ (السماءِ والطارقِ) هو الله تعالى ذِكرُه، لا نحنُ. والنبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلَّم) لا يَنهَى ربَّه - ترفَّعَ عن ذلك - بل يَنهانا نحن، وعلينا إطاعةُ قولِه لأمره تعالى: [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] [الحشر/7] . لذا لا يُمكنُ أن تُجرَى الأحكامُ الشرعيةُ العقائديةُ الصادرةُ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) على الخالِقِ - تعالى جَدُّه - فمَصدَرُها ومُصْدِرُها هو اللهُ تعالى. وما إقسامُ اللهِ تعالى بخلقِه ومخلوقاتِه إلاّ لبيانِ عظمةِ ما يُقسِمُ به، ومدَى وَلَهِ العقولِ المتبصِّرَةِ فيه، ولإعلامِ السامعين وتذكيرِهم بأنَّ هذا المقسَم به إنَّما هو من خَلْقِ الله تعالى، فكيف بالخالقِ إذًا؟ هذا فضلًا عمَّا انطوت عليه هذه الأقسامُ من أسرارٍ إلهية.
وليست دَلالةُ النصِّ واحدةً في قولِه تعالى: [وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ] [الطارق/1] ، وفي قولِ ابنِ خالويه - مقدَّرًا وزاعمًا: (ورَبَّ السماءِ ورَبَّ الطارقِ) ، أو قولِه تعالى: [فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ] [الذاريات/23] ، فشتَّان ما بين القولَين والقسمَين! بدلالةِ القسَمِ نفسِه والمقسَمِ به، وبدلالةِ جوابِ القَسَم.
فجوابُ القسم [وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ] [الطارق/1] هو قولُه تعالى: [إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ] [الطارق/4] ، وعنِ الصلةِ بينَ القسَمِ وجوابِه قال العلامةُ جعفر السبحاني: (( إنَّ السماءَ العاليةَ والنجومَ التي تتحرَّكُ في مداراتٍ منظَّمةٍ دليلُ النظمِ والحسابِ الدقيق. فلْيعلَمِ الانسانُ بأنَّ أعمالَه أيضًا تخضعُ للحسابِ الدقيق. فإنَّ هناك مَنْ يحفظُ أعمالَه ويُسجِّلُها، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. وإنَّها لمسؤوليةٌ عظيمةٌ يحملُها الإنسانُ. إذ ما مِن أحدٍ إلاَّ وهو مراقَبٌ، تُكتبُ عليه كلُّ أعمالِه من المهدِ إلى اللحدِ. فليس من شيءٍ يَضِيعُ في هذه الدنيا أبدًا. هذا إذا قلنا: بأنَّ المرادَ من(حافِظ) هو حافظُ الأعمالِ. وأما إذا فُسِّرت: مَنْ يَحفظُ الانسانَ من الحوادثِ والمهالِكِ، فالصلةُ بالنحو التالي: وهو أنَّ للنفوس رقيبًا يَحفظُها ويدبِّرُ شؤونَها في جميع أطوارِ وجودِها حتى ينتهي أجلُها، كما أنَّ للسماءِ مدبِّرًا لشؤونِها بِما تحتويه من أنظمةٍ رائعةٍ ومعقدة )) [1] .
(1) الأقسام في القرآن الكريم 152 - 153.