الصفحة 16 من 41

إنه استدعاء للماضي الذي لن يعود بما فيه من سذاجة براءة ونعمة، وإذ زال وانطوى فالمرارة الآن بعد الزوال.

ههنا رصيد إنساني نابع من استكناه الحياة والوجود وعَرِضيّة الأحداث وزواليّه الإنسان، وعلى ما جرت عليه هذه المقدمات من تقليدٍ دهرا طويلًا فما هي بمعارض من ألفاظ وصور، وما هي بخاوية من حسٍ إنساني رصيده الحنين والأسرة الغافي.

وقد يكون مقارنة المقدمة الغزلية في قصيدة بشار بمقدمات النسيب والغزل أولى: هذا حق، وعندها ألا يقال لنا: أليست المفاتن الجسدية التي أبرزها الشعراء في مقدماتهم حتى على مسامع الرسول في مسجده ينبغي أن يوجه إليها شجب قاسٍ على حين لم يستثر بشار بتعداد المفاتن شهواتنا؟

لو استفتينا أولا نسيب علقمة الفحل، وهو جاهلي قديم، وأوله:

طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب (1)

لوجدنا فيه إطراء لخلال المرأة ذات المنعة والعفاف، للزوجة الحافظة بالغيب لما ينبغي أن يحفظ:

منعمة ما يستطاع كلامها ... على بابها من أن تزار رقيب

إذا غاب عنها البعل لم تفش سره ... وترضى غياب البعل حتى يؤوب

وهذه الخلقية الشامخة مفقودة في غزل بشار بل هي محطمة تحطيمًا عن عمدٍ ، كما يبدو من أدنى مقارنة، فإذا شفع علقمة نسيبه بما تحصل لديه من رأي في النساء لم نجد، ولو عممنا النظرة، إلا خبرة مستفادة من واقع العلائق، فإن الميول الفطرية من إيثار النساء لحداثة السن وسعة الحال، لا تثريب عليها، وكل ما في الأمر تحذير للشيوخ أن يطمعوا في مودة صادقة عند الفتيات.

وبمثل هذا الغزل لا يجاوز الشاعر إطراء المرأة الفاضلة ومراعاة التكافؤ ما بين المرأة والرجل سنا، وما يتوجب عليه من كفاية مادية. فالغزل أو النسيب يتردد بين المطالب الثابتة للمرأة والمؤهلات المرغوبة في الرجل، ولاشك أن هذا المضمون لا يخسر واقعيته أبدًا.

(1) شرح ديوان علقمة الفحل، السيد أحمد صقر، المطبعة المحمودية بالقاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت