وبذلك يكون بشار بن برد - في هذه القصيدة على الأقل - قد طلع على الشعراء بمحاولة جديدة استبدل فيها الوقوف على الأطلال أو الغزل التقليدي بقصة غزلية ذات أهداف عملية، واءم فيها ما بين ذات نفسه والنوازع الجامحة في طور اجتماعي طارئ تفاقم فيه الثراء وتمطت البطالة.
وإذا كان بعض النقاد يرفض أن يحاكم بشارًا إلى الأخلاق في شعره هذا، ويجنح في محاكمته إلى الفن وحده فقد رأينا خلو هذا الشعر من الرصيد الإِنساني، وكل أدب مضمونه الإنساني ضحل هو أدب لفظي، كان يتعالى عنه الشاعر الجاهلي في وقفاته على الأطلال. فمن منا لا يستشعر حزنًا شاجيا عميقًا في الأبيات الأولى من معلقة امرئ القيس، يهيمن على الشاعر فيها إحساس حاد بمأساة الزوال أو الفناء الإِنساني من خلال مواكب الظاعنين الذين يطويهم الزمان تاركًا من بعدهم منازل مهجورة صوىً لوجودهم العابر، ومن ثم فقد انحدر حزنه عبر دمعة صادقة في قوله:
وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول (1)
ومن لا يشعر بالسرور الهادئ العميق في لحظة التعرف على الديار وما تسحب وراءها من تاريخ للأحباب والأصدقاء، في التحية الهادئة في بيت زهير:
فلما عرفت الدار قلت لربعها ... أ لا أنعم صباحًا أيها الربع واسلم (2)
وكذلك تغدو الديار في مقدمة رائية النابغة مثار ذكريات لا تخبت إلا إذا خبا قلب صاحبها الإِنسان، ومن بين الثمام والحجارة السود تهلّ عليه أغلا صور الماضي وأحبها:
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار
فما وجدت بها شيئا ألوذ به ... إلا الثمام وإلا موقد النار
وقد أراني ونعمًا لاهيين معًا ... والدهر والعيش لم يهمم بإمرار
أيام تخبرني نعم وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسراري (3)
(1) ديوان امرئ القيس: ص 9.
(2) شرح القصائد السبع الطوال: 239.
(3) ديوان النابغة: ص 142.