البيت الذي ينزله في مصر لابد أن يكون قطعة تتم الصياغة التي عاد بها من أوروبا، ومن فرنسا خاصة.. ولم يكن ينقصه إلا السكرتير فكان (جزويت القاهرة) يتولون توفير هذه اللمسة الأخيرة.. وفريد شحاته كان إحدى هباتهم له.. كان هبة كاملة لا ينقصها شيء: أعطى له عبدًا لا يملك لنفسه شيئًا.. فهو رهن أمره في الليل وفي النهار وهو عكازته التي يتوكأ عليها حيثما ذهب.. عمل معه منذ نعومة أأظافره لا يكاد يتم السادسة عشرة وطرد بلا رحمة وقد أشرف على الهرم.. وعاش فريد مملوكًا لطه حسين ما يقارب نصف قرن.. وهكذا قضى طه حسين عمره الطويل الذي جاوز فيما أعتقد التسعين في هذا القالب الحديدي.. بين إمرأة نصرانية وسكرتير مسيحي منتدب من قبل الجوزيت لا يغيب طه حسين عن عينه وهي عين الجزويت وولدين كلود ومرجريت لا يناديهما الأب أو الأم أو السكرتيرة أو الخادم إلا بهذين الاسمين.. كلود ومرجريت.
رابعًا: الدكتوراه التي يحملها طه حسين ليست دكتوراه الدولة.. لأنه لم يكن حصل على الشهادة الثانوية.. وقد امتحن في غير مادة الشهادة التي منحت له اسمًا.. ثم عاد إلى منصر ليدرس التاريخ الروماني في ظل شهادة اسمية.. والواقع الذي أعرفه عن طريق ابتلائي بالرجل أنه لم يكن يعرف اللاتينية التي طالما ملأ شدقيه بالقول أنه درسها فضلًا عن جهله الكامل للغة اليونانية.
خامسًا: ما كدت أقترب منه حتى فجعت في الصورة الخيالية التي كانت تقوم له في ذهني.. كان يقع وراء أسوار الجامعة كيانًا طريًا جدًا، كما تقوم القوقعة تحت الصدفة لا تكاد تمد يدك إلى ما وراء الصدفة حتى تصادف كيانًا هالكًا.. فقد كان ذهنًا هشًا، ومنهجًا مراوغًا زواغًا هرابًا إلى السكوت عند احتدام الصراع وكان دائم التكرير لنفسه ما يقوله في هذا العام هو نفسه في العام المقبل"."