الصفحة 3 من 13

الأمريكي وازدروهم في أفغانستان ووزيرستان وباعوا الكثير منهم إلى القوات الباكستانية وعبرها إلى الولايات المتحدة هم اليوم في صفوف طالبان والقاعدة مقاتلين أشداء ومساندين لهم ودعاة لتطبيق الشريعة ومواصلة الجهاد في مناطق أخرى.

لكن لأن الأمن القومي الأمريكي والأوروبي والإقليمي مرتبط بواقع الحال في أفغانستان فمن الصعب توقع انسحاب مفاجئ للناتو ناهيك عن انسحاب أمريكي في المدى المنظور. إذ أن الانسحاب سيعني انتحارا ميدانيا وتهديدا إقليميا خطيرا وتوترا دوليا شديدا كونه سيسمح للقوى الجهادية بالانتصار الساحق ويعزز من أطروحة الجهاد العالمي في مناطق أخرى. وعليه فالمأزق أبعد من الساحة الأفغانية، بما أن طالبان الباكستانية باتت أشد خطرا وفتكا من طالبان الأفغانية، وبما أن التمدد باتجاه الأقاليم الباكستانية يهدد بابتلاع البلاد وجرها إلى عرين الشريعة وعبرها إلى عرين الجهاد العالمي. وبما أن العالَم الرسمي لم يتحمل بضعة جبهات جهادية فمن الأولى به ألا يتحمل انفجارات كبرى في مناطق عديدة من البلاد الإسلامية.

هكذا تبدو أمريكا قد جنت على نفسها بسياساتها وغطرستها. فمشكلتها التاريخية الأعوص أنها لا تقيم وزنا للخصم ولا تسعى لإدراكه، ولا تعترف بمرارة الواقع إلا بعد فوت الأوان، وما أن تقع في ورطة حتى تستفيق وتبدأ بالصراخ والعويل وإطلاق التهديدات. فكل التصريحات والتقارير والنصائح والتقييمات التي تتناقلها وسائل الإعلام العالمية، منذ عام وحتى الآن، عن العسكريين والسياسيين والمحللين والاستراتيجيين والخبراء تدور في حلقة مفرغة وهي تبحث عن مخرج لنتائج السياسات الأمريكية والغربية وفعالياتهما العسكرية في المنطقة. وهذا مؤشر دقيق على أن الأمريكيين وحلفائهم لم يدركوا خصومهم، ولم يعرفوا بعد لا طالبان ولا القاعدة ولا أنماط تفكيرهما ولا خلفيات العقل الجهادي لما تكون مرجعياته ومصادر تشكله الشريعة الإسلامية وليس السياسات الوطنية ولا الرغبات النفسية. فهل يمكن محاربة خصم لا يُعرف منه سوى أهدافه؟ وهل يمكن للمنطق الغربي أو الوطني فهم العقلية الجهادية بسهولة؟

إذن وسط قناعة باستحالة الانتصار أو تحقيق أي حسم عسكري برزت الحاجة إلى إعادة النظر في الأداء السياسي والعسكري للقوات الأمريكية في أفغانستان وباكستان على السواء. لكن الخروج من المأزق الأفغاني لا يعني بالضرورة الاستعداد للانسحاب بقدر ما يعني البحث عن وسائل مهمتها وقف اندفاع طالبان والقاعدة وخفض وتيرة العمليات العسكرية لهما وحماية القوى الدولية من خطر الاستنزاف البشري. وعلى امتداد السنة الماضية، حيث وقائع الانتخابات الأمريكية، لوحظ أن الأمريكيين في حالة تمايز في المواقف تجاه ما يجب القيام به في أفغانستان. فقد تحدثت أمريكا بلسان الجمهوريين عن مفاوضات مع طالبان ثم تحدثت بلسان الديمقراطيين فقط عن زيادة في عدد القوات لكنها اليوم، بعد فوز أوباما، تتحدث عن استراتيجية جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت